الكتاب : المراد به التوراة ، أو الكتب التي نزلت على أنبيائهم ، مثل التوراة والزبور والإنجيل .
الحكم : القضاء بين الناس ، أو الفقه في الدين .
وفضلناهم : فضلناهم على عالمي زمانهم الوثنيين .
16- { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين } .
أنعم الله على بني إسرائيل بالعديد من النعم ، ومن هذه النعم ما يأتي :
( أ ) التوراة وسائر الكتب السماوية السابقة اللاحقة ، كالزبور والإنجيل والصحف ، التي أنزلها الله على رسله ، كما أعطاهم الفهم للدين ولعلوم الشريعة ، وجعل فيهم عددا كبيرا من الأنبياء ، ومنهم من أوتي الملك والنبوة مثل داود وسليمان .
( ب ) رزقهم الله رزقا طيبا كالمن والسلوى والسمك ، وغير ذلك من أرزاق البر والبحر .
( ج ) فضلهم الله على عالمي زمانهم من المشركين ، فلما أنزل الله الرسالة الخاتمة ، وأرسل النبي الخاتم ، انتقلت الأفضلية إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
قال تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . . . } ( البقرة : 143 ) .
واليهود يهتمون بذكر تفضيلهم على العالمين ، وعند استعراض آيات القرآن الكريم نجد أن هذا التفضيل كان بسبب إتباعهم لموسى ، وعملهم بتعاليم التوراة وطاعتهم لله ، فلما حرفوا التوراة وخالفوا أمر الله ، غضب الله عليهم ولعنهم ، كما سنجد في الآيات اللاحقة أن الله أعطاهم البينات والمعجزات الواضحة ، مثل فلق البحر ، والآيات التسع التي أعطيت لموسى ، لكنهم اختلفوا طمعا في مناصب الدنيا .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعم الله - سبحانه - على بنى إسرائيل ، وعن موقفهم منها ، وأمرت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتمسك بالشريعة التي أنزلها الله - سبحانه - عليه . . فقال : { وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ . . . وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
والمراد بإسرائيل : يعقوب عليه السلام - وببنيه : ذريته من بعده . والمراد بالكتاب : التوراة - أو جنس الكتاب فيشمل التوراة والإِنجيل والزبور .
أي : والله لقد أعطينا بنى إسرائيل { الكتاب } ليكون هداية لهم ، وآتيناهم - أيضا - { والحكم } أي : الفقه والفهم للأحكام حتى يتمكنوا من القضاء بين الناس ، وأعطيناهم كذلك { النبوة } بأن جعلنا عددا كبيرا من الأنبياء فيهم ومنهم .
وهكذا منحهم - سبحانه - نعما عظمى تتعلق بدينهم ، أما النعم التي تتعلق بدنياهم فقد بينها - سبحانه - في قوله : { وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات } أي : ورزقناهم من المطاعم والمشارب الطيبات التي جعلناها حلالا لهم .
وقوله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين } بيان لنعمة أخرى . وللمفسرين في معنى هذه الجملة اتجاهان : أحدهما : أن المقصود بها فضلناهم على العالمين بأمور معينة حيث جعلنا عددا من الأنبياء منهم ، وأنزلنا المن والسلوى عليهم .
قال الآلوسي : قوله : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين } حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر ، وإظلال الغمام ، ونظائرهما ، فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقا من بعض الوجوه ، لا من كلها ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافي ذلك تفضيل أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - عليهم من وجه آخر ، ومن جهة المرتبة والثواب .
والثاني : أن المقصود بها : فضلناهم على عالمي زمانهم .
قال الإِمام الرازي ، ما ملخصه : فإن قيل إن تفضيلهم على العالمين ، يقتضي تفضيلهم على أمة - محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا باطل ، فكيف الجواب ؟
قلنا : الجواب من وجه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي زمانكم ، وذلك لأن الشخص الذى سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود ، لم يكن من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لم تكن موجودة في ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت ، أنهم أفضل من الأمة الإِسلامية .
وقال الشيخ الشنقيطي ما ملخصه : قوله - تعالى - : { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين } .
ذكر - سبحانه - في هذه الآية أنه فضل بني إسرائيل على العالمين ، كما ذكر ذلك في آيات أخرى . . ولكن الله - تعالى - بين أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير من بني إسرائيل ، وأكرم على الله ، كما صرح بذلك في قوله : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } فخير صيغة تفضيل ، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم ، بني إسرائيل وغيرهم .
ويؤيد ذلك من حديث معاوية بن حيدة القشيري ، " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أمته : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله " ، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وهو حديث مشهور .
واعلم أن ما ذكرنا من كون الأمة الإِسلامية أفضل من بني إسرائيل وغيرهم لا يعارض ما ورد من آيات في تفضيل بني إسرائيل .
لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ، ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والمعلوم في حال عدمه ليس بشيء حتى يفضل على غيره ، أو يفضل غيره عليه .
ولكنه - تعالى - بعد وجود الأمة الإِسلامية صرح بأنها خير الأمم ، فثبت أن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل ، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة .
وهذا الاتجاه الثاني هو الذي نرجحه ، لأن المقصود بالآية الكريمة وأمثالها تذكير بني إسرائيل المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم - بنعم الله عليهم وعلى آبائهم ، حتى يشكروه عليها .
ومن مظاهر هذا الشكر - بل على رأسه - إيمانهم بما جاءهم به النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولكن بني إسرائيل لم يقابوا تلك النعم بالشكر ، بل قابلوا بالجحود والحسد للنبي - صلى الله عليه وسلم - على ما آتاه الله - تعالى - من فضله ، فكانت نتيجة ذلك أن لعنهم الله وغضب عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت .
ولقد سبق أن قلنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى - في سورة البقرة : { وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } والعبرة التي نستخلصها من هذه الآية وأمثالها : أن الله - تعالى - فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإِسلامية ، ومنحهم الكثير من النعم ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر . . فسلب الله عنهم ما حباهم به من نعم . ووصفهم فى كتابه بنقض العهد ، وقسوة القلب .
وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفرا ، لأن الميزان عند الله للتقوى والفعل الصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب .
قوله تعالى : { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين 16 وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون 17 ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون 18 إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظاليمن بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين 19 هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } .
يبين الله ما منّ به على بني إسرائيل من جزيل العطايا والنعم وابتعاث النبيين الكثيرين منهم . فقال سبحانه : { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة } آتاهم الله الكتاب ، وهو التوراة ، لتكون هداية للناس ونورا . وآتاهم الحكم أي العلم والفقه ليحكموا بين الناس في خصوماتهم . وقيل : المراد أنهم أوتوا القضاء والحكم على الناس { والنبوة } أي جعل منهم أنبياء ورسلا إلى الناس فقد كان النبيون من زمن يوسف عليه السلام إلى عيسى عليه السلام من بني إسرائيل . قوله : { ورزقناهم من الطيبات } آتاهم الله من الطيبات والخيرات ما لم يؤت غيرهم من الأمم وذلك كالمن والسلوى وغير ذلك من صنوف الثمرات والأقوات والأطعمة .
قوله : { وفضلناهم على العالمين } أي فضلهم الله على عالمي زمانهم وذلك بكثرة ما أوتوه من النعم والتنجية من كيد فرعون وزبانيته وجنوده ، فقد فلق الله لهم البحر ليمضوا فيه ساربين آمنين مطمئنين . ثم أخذ الله الظالمين بالتغريق والإهلاك والاستئصال ، حتى إذا خرج بنو إسرائيل إلى البر سالمين أظلهم الله بالغمام في الصحراء وقاية لهم من لظى الشمس بحرارتها البالغة . ثم سخر الله لهم طعام المنّ ، إذ يجدونه ظاهرا مكشوفا بين أيديهم وكذلك السلوى وهي أسراب كاثرة دانية من طير السماني يهبط نحوهم ليأكلوه في سهولة وبركة وهناء . وذلكم الذي فضل الله به بني إسرائيل في دنياهم على غيرهم من الناس . ولن يغنيهم مثل هذا التفضيل وأضعافه في أمور دنيوية ومعاشية عما جنوه في حق النبيين من تقتيل وتكذيب وما فعلوه في حق المسلمين من كيد وتربص وتمالؤ وتحريض .