تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (139)

المفردات :

متبر : هالك .

وباطل : ومضمحل زائل .

التفسير :

{ 139 – إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } .

إن هؤلاء الذين تبغون تقليدهم في عبادة الأوثان محكوم على ما هم فيه بالدمار ، ومقضى على ما يعملونه من عبادة الأصنام بالاضمحلال والزوال ، لأن دين التوحيد سيظهر في هذه الديار ، وستصير العبادة لله الواحد القهار .

من كلام المفسرين

1 – قال الإمام الرازي : والمراد من بطلان عملهم : أنه لا يعود عيهم من عبادة ذلك العجل نفع ولا دفع ضرر .

2 – قال الأستاذ سيد قطب – في ظلال القرآن – كلاما طويلا خلاصته : أن موسى عليه السلام لا يواجه هنا طاغوت فرعون وملئه ، ولكنه يواجه المعركة مع( النفس البشرية ) فليس أفسد للنفس البشرية من الذل والخضوع للطغيان طويلا .

وقد عاش بنو إسرائيل في هذا العذاب طويلا ؛ حتى فسدت نفوسهم وفسدت طبيعتهم ، والتوت طبيعتهم ، وانحرفت تصوراتهم ، وامتلأت نفوسهم بالجبن والذل من جانب ، وبالحق والقسوة من الجانب الآخر ، وهما جانبان متلازمان في النفس البشرية ، حيثما تعرضت طويلا للإرهاب والطغيان . . .

3 – قال القرطبي : ونظيره قول جهال الأعراب وقد رأوا شجرة خضراء للكفار تسمى : ذات أنواط – لأنهم كانوا ينوطون بها سلاحهم أي : يعلقونه – وكان الكفار يعظمون هذه الشجرة في كل سنة يوما ، قال الأعراب : يا رسول الله : اجعل لنا ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الله أكبر ، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة . لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة20 حتى إنهم لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " وكان هذا في مخرجه إلى حنين21 .

4 – جاء في تفسير المراغي للأستاذ مصطفى المراغي :

وللمسلمين عبرة في هذا فإن لهم ذات أنواط في بلاد كثيرة كشجرة " الحنفي " بمصر ، وقد اجتثت أخيرا ، وشجرة " ست المنضوره " ، ونحو ذلك مما اتخذوه من القبور والأشجار والأحجار التي يعكفون عليها ويطوفون حولها ، ويقبّلونها ، ويتمرغون بأعتابها ، ويتمسحون بها ، خاشعين ضارعين ، راجين شفاء الأدواء ، الانتقام من الأعداء وحبل العقيم ، ورد الضالة ، وغير ذلك من النفع ، وكشف الضر ، وهذا مخالف لنصوص كتاب الله وسنة رسوله ؛ إذ هذا عبادة وأن كانوا لايسمونها بذلك ، فلا فرق بينه وبين شرك الجاهلية " إلا بالتسمية " ؛ إذ حقيقة العبادة : كل قول أو عمل يوجّه إلى معظم يرجى نفعه أو يخشى ضرّه وحده22 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (139)

ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم ، علل هذا الإنكار بقوله : { إن هؤلاء } أي القوم { متبر ما هم فيه } أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة ، وإذا فسد الظرف فسد المظروف ، وإليه الإشارة بجعل " هؤلاء " اسماً لإن ، وإيلائه خبر الجمله الواقعة خبراً مقدماً على مبتدئه .

ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الآخرة{[33288]} - وهو حق ، أعلمهم بأن هذا الهلاك{[33289]} إنما هو الهلاك{[33290]} عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو في الآخرة لبطلان ما هم فيه ، فقال معبراً بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك ، وإن رئي بخلافه : { وباطل } أي مضمحل زائل { ما كانوا } أي جبلة وطبعاً { يعملون* }{[33291]} أي مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله{[33292]} ، لا وزن لشيء منها أصلاً ولا اعتبار ، و{[33293]} - فيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي{[33294]} إلا للباقي الذي لا يجوز عليه التغير ، فإذا كان كذلك{[33295]} كان العمل له أيضاً ثابتاً باقياً لا يجوز عليه البطلان ، وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة إلى موجب ذلك ، وأن كل من كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت عاقبته الدمار .


[33288]:- زيد من ظ.
[33289]:- في ظ: الإهلاك.
[33290]:- زيد من ظ.
[33291]:- في ظ: يعلمون.
[33292]:- في ظ الإحالة كذا.
[33293]:- زيد من ظ.
[33294]:- من ظ، وفي الأصل: لا ينبغي.
[33295]:- من ظ، وفي الأصل: ذلك.