سرهم : أي : ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق .
نجواهم : أي : ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين .
78 – { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } .
والاستفهام في أول الآية للتوبيخ والتهديد والتقريع .
والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله مطلع على ما يخفونه في صدورهم من النفاق ، وما يتناجون به أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين ، وأن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم ؛ فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو عالم بالسر والنجوى ، وهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، ويعلم ما ظهر وما بطن ، هو سبحانه يعلم كل ذلك ، ويعلم ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه . فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به ؟ !
من الأحكام والآداب التي أخذها من هذه الآيات ما يأتي :
1 – وجوب الوفاء بالعهد ؛ فإن نقض العهود ، وخلف الوعد ، والكذب على الله ؛ يورث النفاق فإذا عاهد المؤمن ربه في أمر ؛ فليجتهد في الوفاء به .
2 – أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة في ذلك ، وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول الصدقة من ثعلبة أو غيره ، بما كانت للأسباب الآتية :
( أ ) إهانته ؛ ليعتبر غيره به ، فلا يتخلف أحد عن إخراج الزكاة في وقتها .
( ب ) ربما جاء بها على وجه الرياء ؛ خوفا من الفضيحة ، ومن كلام الناس ، وأعلم الله رسوله بذلك فلم يقبل منه الصدقة .
( ج ) الزكاة لتطهير النفوس وتزكيتها ، ولعل هذا لم يكن حاصلا في ثعلبة أو غيره ؛ فلهذا امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول تلك الصدقة .
3 – النفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله ؛ فينبغي أن نوطّن النفس على طاعة الله ، وأن نجبرها إجبارا على مخالفة الهوى والشيطان ، وإيثار ما عند الله على كل شيء من حطام الدنيا .
ألم يعلموا - وهم يدَّعون الإيمان - أن الله مطَّلِعٌ على السرائر ، لا يخفى عليه ما يُضمِرونه في السر من نقض العهد ، وما يتناجَوْن به في الخفاء من الطعن في الدين وتدبير المكايد للمسلمين ! وأن الله يعلم الغيوب كلَّها لا يخفى عليه شيء في هذا الكون .
وقد وردت عدة روايات في سبب نزول هذه الآيات . روى ابن جرير أن ثَعلبةَ بن حاطِبٍ الأنصاري قال لرسول الله : ادعُ الله أن يرزقَني مالا ، فقال له رسول الله : «ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدّي شُكرَه خيرٌ من كثيرٍ لا تُطيقه » . فراجعه مرة أخرى وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينَّ كل ذي حق حقه ، فدعا له فاتخذ غنماً ، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة . فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة . فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل : كثُرَ ماله حتى لا يَسَعُه واد ، فقال : يا ويح ثعلبة ، فبعث رسول الله مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي ، فلما رجعا أخبرا رسول الله بما قال ثعلبة ، فقال : ويح ثعلبة ، فأنزل الله تعالى : «ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن . . . » فسمع بذلك ثعلبة فجاء بالصدقة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك . فجعل يحثو على رأسه التراب . وقبض رسول الله ، فجاء أبا بكر الصديق فلم يقبلها ، ثم جاء عمر فلم يقبلها ، وجاء عثمان فلم يقبلها رضي الله عنهم ، وهلك في خلافة عثمان .
وهذه الصورة من البشر موجودة في كل زمان ومكان ، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الأصوليون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.