تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (81)

المفردات :

السحر : يطلق على ما لطف ودق ، ويطلق على ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها ، مثل ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده ، ويكون السحر أيضا بمباشرة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد من التأثير على الشخص

المقصود ؛ بحيث يغير مزاجه ويؤثر في حواسه ووجدانه ، كأن يجد الحلو مرا ، وينقبض صدره وتضعف قواه ، ويكثر اضطرابه .

سيبطله : سيمحقه ولا يبقى له أثرا .

لا يصلح : لا يثبت ولا يؤيد .

التفسير :

81 { فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } .

عندما ألقى السحرة سحرهم ؛ بهروا جميع الناس ، وأدخلوا الرهبة في قلوبهم ، بالحيلة والشعوذة ، فقد دهنوا حبالهم بالزئبق ، وأرسلت الشمس أشعتها على الحبال ؛ فصار لها بريق وتموج كأنها حيات تسعى .

قال موسى : ما جئتم به الآن هو السحر ، وليس ما أتيتم به من المعجزات ، التي قال عنها فرعون وملؤه :

{ إن هذا لسحر مبين } .

ثم قال موسى : هذا السحر الذي أظهرتموه ؛ إن الله سيبطله وسيمحقه ، وسيظهر بطلانه قطعا أمام الناس ، بما يفوقه من المعجزة التي هي آية خارقة للعادة ، تفوق السحر وأشكاله المختلفة .

{ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } . الذين يتخذون الباطل مركبا لخداع الناس ، وتزييف الحقائق ؛ فالسحر باطل وفساد ، والله تعالى لا ينصر الباطل ولا يصلح عمل المفسدين ، { ولا يفلح الساحر حيث أتى } . ( طه : 69 ) .

قال العلماء : لا تكتب هذه الجملة على مسحور ؛ إلا دفع الله عنه السحر وهي : { إن الله لا يصلح عمل المفسدين } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (81)

قوله تعالى : " فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر " تكون " ما " في موضع رفع بالابتداء ، والخبر " جئتم به " والتقدير : أي شيء جئتم به ، على التوبيخ والتصغير لما جاؤوا به من السحر . وقراءة أبي عمرو " السحر " على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر . ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف ، التقدير : السحر جئتم به . ولا تكون " ما " على قراءة من استفهم بمعنى الذي ، إذ لا خبر لها . وقرأ الباقون " السحر " على الخبر ، ودليل هذه القراءة ابن مسعود : " ما جئتم به سحر " . وقراءة أبي : " ما أتيتم به سحر " ، ف " ما " بمعنى الذي ، و " جئتم به " الصلة ، وموضع " ما " رفع بالابتداء ، والسحر خبر الابتداء . ولا تكون " ما " إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لأن الصلة لا تعمل في الموصول . وأجاز الفراء نصب السحر ب " جئتم " ، وتكون لا للشرط ، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة ، التقدير : فإن الله سيطلبه . ويجوز أن ينصب السحر على المصدر ، أي ما جئتم به سحرا ، ثم دخلت الألف واللام زائدتين ، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء . واختار هذا القول النحاس ، وقال : حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر ، كما قال :

من يفعل الحسنات الله يشكرُها

بل{[8554]} ربما قال بعضهم : إنه لا يجوز البتة . وسمعت علي بن سليمان يقول : حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول : غير النحويون هذا البيت ، وإنما الرواية :

من يفعل الخير فالرحمن يشكره

وسمعت علي بن سليمان يقول : حذف الفاء في المجازاة جائز . قال : والدليل على ذلك " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم{[8555]} " . " وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم " قراءتان مشهورتان معروفتان . " إن الله لا يصلح عمل المفسدين " يعني السحر . قال ابن عباس : من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية . ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) لم يضره كيد ساحر . ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر .


[8554]:في ع: وربما.
[8555]:راجع ج 16 ص 30.