تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ} (79)

77

أضل فرعون قومه : سلك بهم مسلكا من الضلال والخسران .

وما هدى : ما أرشدهم إلى طريق السعادة والهدى .

79-ضلّ فرعون قومه وما هدى } .

وقد سلك فرعون بقومه سبيل الهلاك والدمار ؛ فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والهلاك ، وكان فرعون يدّعي : أنه على الرشاد ، كما ورد في سورة غافر : { قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد } . ( غافر : 29 ) .

وقد جمل القرآن هنا في هاتين الآيتين ما فصله في آيات كثيرة في القرآن الكريم ، ففي سورة الشعراء قال تعالى : { وأوحينا إلى موسى أن أسري بعبادي إنّكم متّبعون . فأرسل فرعون في المدائن حاشرين . إن هؤلاء لشرذمة قليلون . وإنهم لنا لغائظون . وإنا جميع حاذرون . فأخرجناهم من جنات وعيون . وكنوز ومقام كريم . كذلك وأورثناها بني إسرائيل . فأتبعوهم مشرقين . فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون . قال كلاّ إن معي ربّي سيهدين . فوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطّود العظيم . وأزلفنا ثمّ الآخرين . وأنجينا موسى ومن معه أجمعين . ثم أغرقنا الآخرين . إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين . وإن ربك لهو العزيز الرحيم } . ( الشعراء : 68 ، 52 ) .

وفي سورة الدخان يقول الله تعالى : { ولقد فتنّا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم . أن أدّوا إليّ عباد الله إنّي لكم رسول أمين . وأن لا تعلوا على الله إنّي آتيكم بسلطان مبين . وأنّي عدت بربي وربكم أن ترجمون . وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلونِ . فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون . فأسري بعبادي ليلا إنكم متّبعون . واترك البحر رهوًا إنهم جند مغرقون . كم تركوا من جنات وعيون . وزروع ومقام كريم . ونعمة كانوا فيها فاكهين . كذلك وأورثناها قوما آخرين . فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين } . ( الدخان : 29 ، 17 ) .

وقال تعالى : { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين . الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين . فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } . ( يونس : 92 ، 90 ) .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ} (79)

" وأضل فرعون قومه وما هدى " أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى خير ولا نجاة ؛ لأنه قدر أن موسى عليه السلام ومن معه لا يفوتونه ؛ لأن بين أيديهم البحر . فلما ضرب موسى البحر بعصاه انفلق منه اثنا عشر طريقا وبين الطرق الماء قائما كالجبال . وفي سورة الشعراء " فكان كل فرق كالطود العظيم{[11136]} " أي الجبل الكبير ، فأخذ كل سبط طريقا . وأوحى الله إلى أطواد الماء أن تشبكي فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض ، وكان هذا من أعظم المعجزات ، وأكبر الآيات ، فلما أقبل فرعون ورأى الطرق في البحر والماء قائما أوهمهم أن البحر فعل هذا لهيبته ، فدخل هو وأصحابه فانطبق البحر عليهم . وقيل إن قوله : " وما هدى " تأكيد لإضلاله إياهم . وقيل هو جواب قول فرعون " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد " {[11137]} [ غافر : 29 ] فكذبه الله تعالى . وقال ابن عباس " وما هدى " أي : ما هدى نفسه بل أهلك نفسه وقومه .


[11136]:راجع جـ 13 ص 100 فما بعد.
[11137]:راجع جـ 15 ص 305 فما بعد.