تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (78)

75

المفردات :

سرهم : أي : ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق .

نجواهم : أي : ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين .

التفسير :

78 – { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } .

والاستفهام في أول الآية للتوبيخ والتهديد والتقريع .

والمعنى : ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله مطلع على ما يخفونه في صدورهم من النفاق ، وما يتناجون به أو يتحدثون به فيما بينهم من المطاعن في الدين ، وأن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم ؛ فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فهو عالم بالسر والنجوى ، وهو سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، ويعلم ما ظهر وما بطن ، هو سبحانه يعلم كل ذلك ، ويعلم ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه . فكيف يكذبون على الله فيما يعاهدونه به ؟ !

ما يؤخذ من الآيات

من الأحكام والآداب التي أخذها من هذه الآيات ما يأتي :

1 – وجوب الوفاء بالعهد ؛ فإن نقض العهود ، وخلف الوعد ، والكذب على الله ؛ يورث النفاق فإذا عاهد المؤمن ربه في أمر ؛ فليجتهد في الوفاء به .

2 – أن للإمام أن يمتنع عن قبول الصدقة من صاحبها إذا رأى المصلحة في ذلك ، وامتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول الصدقة من ثعلبة أو غيره ، بما كانت للأسباب الآتية :

( أ ) إهانته ؛ ليعتبر غيره به ، فلا يتخلف أحد عن إخراج الزكاة في وقتها .

( ب ) ربما جاء بها على وجه الرياء ؛ خوفا من الفضيحة ، ومن كلام الناس ، وأعلم الله رسوله بذلك فلم يقبل منه الصدقة .

( ج ) الزكاة لتطهير النفوس وتزكيتها ، ولعل هذا لم يكن حاصلا في ثعلبة أو غيره ؛ فلهذا امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبول تلك الصدقة .

3 – النفس البشرية ضعيفة شحيحة إلا من عصم الله ؛ فينبغي أن نوطّن النفس على طاعة الله ، وأن نجبرها إجبارا على مخالفة الهوى والشيطان ، وإيثار ما عند الله على كل شيء من حطام الدنيا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (78)

ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع ، بقوله : { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ } وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها اللّه تعالى ، وهذه الآيات نزلت في رجل من المنافقين يقال له { ثعلبة } جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وسأله أن يدعو اللّه له ، أن يعطيه الله من فضله ، وأنه إن أعطاه ، ليتصدقن ، ويصل الرحم ، ويعين على النوائب ، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان له غنم ، فلم تزل تتنامى ، حتى خرج بها عن المدينة ، فكان لا يحضر إلا بعض الصلوات الخمس ، ثم أبعد ، فكان لا يحضر إلا صلاة الجمعة ، ثم كثرت فأبعد بها ، فكان لا يحضر جمعة ولا جماعة .

ففقده النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبر بحاله ، فبعث من يأخذ الصدقات من أهلها ، فمروا على ثعلبة ، فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، فلما لم يعطهم جاءوا فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : { يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة } ثلاثا .

فلما نزلت هذه الآية فيه ، وفي أمثاله ، ذهب بها بعض أهله فبلغه إياها ، فجاء بزكاته ، فلم يقبلها النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء بها لأبي بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها ، ثم جاء بها بعد أبي بكر لعمر فلم يقبلها ، فيقال : إنه هلك في زمن عثمان{[377]} .


[377]:- قصة ثعلبة هذه ذكرها كثير من المفسرين، وقد ضعفها جهابذة أهل الحديث كابن حزم، والبيهقي، والقرطبي، والهيثمي، والعراقي، وابن حجر، والسيوطي والمناوي وغيرهم -رحمهم الله- وبينوا أن في إسنادها علي بن يزيد، وهو ضعيف كما أن من رواتها: معان بن رفاعة، والقاسم بن عبد الرحمن وهما ضعيفان، وذكر ابن حزم تضعيفها من جهة متنها أيضا. ينظر المحلى: (11/208) والإصابة: ترجمة ثعلبة، ومجمع الزوائد (7/32)، والجامع لأحكام القرآن (8/210)، وفيض القدير (4/257)، وفتح الباري (3/8)، ولباب النقول للسيوطي (121) وتخريج الإحياء للعراقي (3/338).