تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين( 44 ) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين( 45 ) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ( 46 ) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين( 47 ) } .

المفردات :

الغربي : الجبل الغربي الذي وقع فيه الميقات ، وأعطى الله فيه ألواح التوراة لموسى .

قضينا : عهدنا إليه ، وكلفناه أمرنا ونهينا .

الأمر : أمر الرسالة .

الشاهدين : الحاضرين للوحي من جملة السبعين المختارين .

44

التفسير :

44-{ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين }

والغربي هو الجانب الغربي للطور الذي جعله الله ميقاتا مع موسى عليه السلام ، بعد أجل محدد ثلاثين ليلة ، أتمها بعشر فكانت أربعين ليلة .

قال تعالى : { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة . . }[ الأعراف : 142 ] .

وفي هذا الميقات قضى الأمر لموسى في الألواح ، لتكون شريعته في بني إسرائيل ، وما كان رسول الله صلى الله موجودا بجانب الجبل الغربي ، حين عهد الله تعالى بالرسالة إلى موسى ، وأحكم أمر نبوته بالوحي وإنزال التوراة ، وما كان من جملة الشاهدين الحاضرين للوحي ، وهم السبعون المختارون للميقات المنوّه عنهم بقوله تعالى : { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا . . }[ الأعراف : 155 ] .

أو ما كنت من الشاهدين بجميع ما أعلمناك من شأن موسى ، وأخبرت به ، فهو نفي لشهادته صلى الله عليه وسلم جميع ما جرى لموسى .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

ثم بدأت السورة بعد ذلك فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفى بيان أن هذا القرآن من عند الله ، وفى بيان جانب من شبهات المشركين ، ثم تلقين الرسول صلى الله عليه وسلم الرد المزهق لها . . لنستمع إلى الآيات الكريمة التى تحكى لنا بأسلوبها البليغ ، هذه المعانى وغيرها فتقول : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي . . }

الخطاب فى قوله - تعالى - : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي . . . } للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد بجانب الغربى : الجانب الغربى لجبل الطور الذى وقع فيه الميقات ، وفيه تلقى موسى التوراة من ربه - تعالى - .

أى : وما كنت - أيها الرسول الكريم - حاضرا فى هذا المكان ، { إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر } أى ، وقت أن كلفناه بحمل رسالتنا ، وأنزلنا إليه التوراة ، لتكون هداية ونورا له ولقومه .

{ وَمَا كنتَ } أيضا - أيها الرسول الكريم - { مِنَ الشاهدين } لذلك ، حتى تعرف حقيقة ما كلفنا به أخاك موسى ، فتبلغه للناس عن طريق المشاهدة .

فالمقصود بالآية بيان أن ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن أخبار الأولين ، إنما بلغه عن طريق الوحى الذى أوحاه الله - تعالى - إليه ، وليس عن طريق آخر .

قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : يقول - تعالى - منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم ، وهو رجل أمى لا يقرأ شيئا من الكتب ، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك ، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها ، قال - تعالى - : { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } ثم قال - تعالى - { تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا فاصبر }

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ} (44)

قوله تعالى : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 44 ) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 ) وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .

ذلك برهان من الله يشهد بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصدق رسالته ؛ إذ أخبر قومه بالأحداث الماضية مما هو مستور في بطن الغيب . لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بغيوب سلفت قبل زمانه بدهر طويل ، مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، وقد بُعث في أمة لا تقرأ ولا تكتب وهو عليه الصلاة والسلام لم يعلمه إنس ولا جان ، ولم يتلق أيما درس في التاريخ وأخبار السابقين الأولين ، بل تلقى ذلك كله من ربه . لقد تلقى منه الخبر الصادق اليقين الذي أذهل العقول ونبّه إلى حقيقة هذا الرجل الصدوق ، على أنه مرسل من ربه ، وأنه لا ينطق عن الهوى . وذلك كإخباره في القرآن الحكيم عن أخبار السابقين والغابرين ، كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وقوم شعيب ، وقصة موسى مع الطاغية فرعون ، ومولد عيسى المسيح من أمه مريم البتول وغير ذلك من أخبار النبيين والمرسلين . وهي أخبار دقيقة ومستفيضة ومفصلة جاءت على أكمل ما يكون عليه القَصَص من الصدق والبيان . وفي ذلكم دليل قاطع على نبوة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .

وهنا يبين الله في خطابه لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، أنك لم تشهد قصة موسى وهو يكلمه ربه عند الطور بل أخبرك ربك بذلك وحيا ، حتى تبينه للناس وهو قوله : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } أي ما كنت يا محمد حاضرا بجانب الجبل الغربي أو المكان الغربي الذي وقع فيه الميقات لموسى ؛ إذ أعطاه الله فيه ألواح التوراة { إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ } أي علمناه وعهدنا إليه واحكمنا أمر نبوته بالوحي وإنزال التوراة عليه { وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } أي لم تكن ؛ إذ ذاك من الحاضرين نزول الوحي إليه حتى تعاين بالمشاهدة ما جرى من أمر موسى في ميقاته فتخبر به الناس . ولكن الله عز وعلا قد أوحى إليك ليكون لك حجة وبرهانا تواجه بهما الناس .