{ * ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار28 جهنم يصلونها وبئس القرار29 وجعلوا لله أنداد ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار30 قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال31 } .
دار البوار : دار الهلاك ، ويطلق البوار أيضا على : الكساد .
28 { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا . . . }الآية .
الخطاب هنا موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إلى كل من يصلح للخطاب ، مقصود به : التعجيب من صنع هؤلاء الكفار .
والمعنى : ألم تنظر إلى الذين بدلوا شكر نعمة الله عليهم ، فجعلوا مكانه كفرا عظيما .
والمراد بهم : أهل مكة ، مكن الله لهم حرما آمنا ، يجبى إليه ثمرات كل شيء ، ويسر لهم رحلة الشتاء والصيف ، ودعاهم : إلى عبادة رب البيت الحرام ، وأرسل لهم نبيا منهم يعرفون نسبه وصدقه ، وأنزل عليه كتابا فيه مجدهم وصلاحهم ، وإنقاذهم من براثن الكفر والشرك ، إلى نور الإيمان والتوحيد ، لكنهم بدلا من أن يشكروا الله على هذه النعمة ، فيؤمنوا برسوله ويتبعوا هديه ، قابلوا هذه النعمة بالكفر ، والإصرار على عبادة الأوثان ، ومحاربة محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن آمن به .
{ وأحلوا قومهم دار البوار } . وأنزلوا قومهم ومن أطاعهم من أهل مكة ، دار البوار والهلاك ، حيث قتلوا في غزوة بدر ، وعدد من الغزوات حتى فتحت مكة ، وتعرضوا للهوان والهلاك .
والبوار : الفساد والهلاك ، الذي أنزلوه بأقوامهم وبأنفسهم ، كما قال تعالى في شأن فرعون : { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود } . ( هود : 98 ) .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك مصير الجاحدين الذين قابلوا نعم الله بالكنود والجحود ، وأمر المؤمنين بأداء ما كلفهم به - سبحانه - من عبادات وقربات ، وساق لهم ألوانا من الآلاء التى تفضل بها على عباده ، فقال - تعالى - :
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ . . . } .
قوله - سبحانه - { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً . . } الخطاب فيه للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب .
والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة .
وبدلوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل ، والمراد به : وضع الشئ فى غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر .
ونعمة الله التى بدلوها ، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسله الله - تعالى - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور ، كما تشمل إكرام الله لهم - أى لهم مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن ، وجعلهم سدنة بينة . . ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم ، بل أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه : " قوله : { بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله } لأن شكرها الذى وجب عليهم وضعوا مكانه كفرا ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر وبدلوه تبديلا .
وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه ، وجعلهم قوام بينه ، وأكرمهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم ، أو أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإِيلافهم الرحلتين ، فكفروا نعمته ، فضربهم بالقحط سبع سنين ، فحصل لهم الكفر بدل النعمة ، وكذلك حين أسروا وقتلوا يوم بدر ، قد ذهبت النعمة عنهم ، وبقى الكفر طوقا فى أعناقهم . . "
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : " قال البخارى قوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً . . } حدثنا على بن عبدالله حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، سمع ابن عباس قال : هم كفار أهل مكة .
ثم قال ابن كثير : وهذا هو الصحيح ، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار ، فإن الله - تعالى - " بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ، ونعمة للناس ؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة ، ومن ردها وكفرها دخل النار . . " .
وما ذهب إليه صاحب الكشاف وابن كثير - رحمهما الله - هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأن مشركى مكة ومن سار على شاكلتهم تنطبق عليهم هذه الآية الكريمة .
وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفراً ، بنو أمية وبنو مخزوم . . ولكن هذه الروايات بعيدة عن الصواب ، ولا سند لها من النقل الصحيح .
وقوله { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار } معطوف على { بدلوا } لبيان رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة والمراد بقومهم : أتباعهم وشركاؤهم فى الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك .
والبوار : الهلاك والخسران ، ويطلق أيضا على الكساد . يقال : بار المتاع بوارا ، إذا كسد ، إذ الكاسد فى حكم الهالك .
والمعنى : ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين ، الذين قابلوا نعم الله عليهم بالكفر والجحود ، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلالك والخسران .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.