تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ} (16)

{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ( 20 ) } .

16

التفسير :

16 - وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأََرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ .

اللعب : الفعل لا يقصد به مقصد صحيح .

إن الله لم يخلق الكون عبثا ، بل خلقه بالحق ، وأرسل رسله بالحق ، وأنزل كتبه بالحق ، وبالحق قامت السماوات والأرض ، ومن هذا الحق : الإيمان بالرسل ، والكتب ، والبعث ، والجزاء . وإثابة الطائع ، وعقوبة العاصي ، وقد كان أهل مكة لاهين لاعبين ، ووقفوا من دعوة الإسلام موقف اللاعب المستهتر .

فقال القرآن : إن خلق الكون ، وخلق الإنسان ، ثم بالعدل والجد ، ومن تأمل في خلق الكون وخلق الإنسان ؛ استدل بهذه المخلوقات على قدرة الخالق سبحانه وتعالى .

وقريب من هذه الآية قوله تعالى : وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . ( ص : 27 ) .

إن هذا الكون البديع المنظم ، يحتاج إلى قدرة عليا ، تمسك بنظامه ، وترفع سماءه ، وتبسط أرضه ، وترسي جباله ، وتظلم ليله وتضيء نهاره ، وتسخر شمسه وقمره ونجومه ، وتنظم الهواء والماء ، وتحافظ على التكامل والتنسيق بين هذا الكون ، فكل شيء فيه لحكمة عليا أرادها الله ، فالإنسان مثلا يستنشق الأكسجين ، ويخرج ثاني أكسيد الكربون ، والنبات عكس ذلك ، فلو وجد الإنسان وحده ؛ لمات ، ولو وجد النبات وحده ؛ لذبل واضمحل ، وهكذا تركيب الهواء بنسب معينة ، تساعد على الحياة والتعلم والتحضر ، فلو زادت نسبة الأكسجين في الهواء ؛ لزادت الحرائق ، بحيث تكفي شرارة واحدة للغابة لتحترق ، ولو قل الأكسجين ؛ لتعطل التحضر الإنساني ، فالكون كله بيد الله يدبر نظامه ، ويرسل رسله وينزل كتبه .

ومن هذا الناموس الإلهي : إحقاق الحق ، ونصرة الرسل ، وإهلاك المفسدين .