الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{قَالَتۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ} (32)

{ قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري } بينوا لي ما أعمل { ما كنت قاطعة } قاضية وفاصلة { أمرا حتى تشهدون } حتى تحضرون أي لا أقطع أمرا دونكم

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَتۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ} (32)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري " الملأ أشراف القوم وقد مضى في سورة " البقرة " {[12287]} القول فيه . قال ابن عباس : كان معها ألف قيل . وقيل : اثنا عشر ألف قيل مع كل قيل مائة ألف . والقيل الملك دون الملك الأعظم . لأخذت في حسن الأدب مع قومها ، ومشاورتهم في أمرها ، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض ، " ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " فكيف في هذه النازلة الكبرى . فراجعها الملا بما يقر عينها ، من إعلامهم إياها بالقوة والبأس ، ثم سلموا الأمر إلى نظرها ، وهذه محاورة حسنة من الجميع . قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا هم أهل مشورتها ، كل رجل منهم على عشرة آلاف .

الثانية- في هذه الآية دليل على صحة المشاورة . وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : " وشاورهم في الأمر " [ آل عمران : 159 ] في " آل عمران " إما استعانة بالآراء ، وإما مداراة للأولياء . وقد مدح الله تعالى الفضلاء بقوله : " وأمرهم شورى بينهم " [ الشورى : 38 ] . والمشاورة من الأمر القديم وخاصة في الحرب ؛ فهذه بلقيس امرأة جاهلية كانت تعبد الشمس : " قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون " لتختبر عزمهم على مقاومة عدوهم ، وحزمهم فيما يقيم أمرهم ، وإمضائهم على الطاعة لها ، بعلمها بأنهم إن لم يبذلوا أنفسهم وأموالهم ودماءهم دونها لم يكن لها طاقة بمقاومة عدوها ، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم ، وإن لم تختبر ما عندهم ، وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم ، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها ، ودخيلة في تقدير أمرهم ، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريده من قوة شوكتهم ، وشدة مدافعتهم ، ألا ترى إلى قولهم في جوابهم :


[12287]:راجع ج3 ص 243 طبعة أولى أو ثانية.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قَالَتۡ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ} (32)

قوله تعالى : { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ( 32 ) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ( 33 ) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ( 34 ) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } .

قالت بلقيس – هذه المرأة الحازمة الفطنة- للملأ وهو أشراف قومها : { قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } أي أشيروا علي في أمري من شأن هذا الكتاب الذي ألقي إلي وهو مرسل من سليمان { مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ } أي لم أكن لأقضي أمرا في شأن ذي أهمية كهذا حتى تحضروا إلي فأشاوركم فيه .

وهذا دليل حزمها ورجاحة عقلها ؛ إذ تعبأ بالمشورة لتخلص إلى الرأي السديد . وما يطلب المشورة من أهل النهى والنظر إلى العقلاء الحازمون من الناس ، الذين يبتغون لأنفسهم وأمتهم السلامة والخير . ولا يستكبر على قومه وأهل النظر فيهم فينفر من مشاورتهم إلا الجاهلون والسفهاء والمستكبرون .