اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ} (75)

قوله تعالى : { الله يصطفي من الملائكة رسلاً } الآية لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوات . قال بعضهم : [ تقدير الكلام : ومن الناس رسلاً . ولا حاجة لذلك ، بل قوله «ومن الناس » مقدَّر التقديم ، أي : يصطفي من الملائكة ومن الناس رسلاً{[31959]} ] . قال مقاتل{[31960]} : قال الوليد بن المغيرة { أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا{[31961]} } ؟ [ ص : 8 ] فأنزل الله هذه الآية{[31962]} فإن قيل : كلمة «من » للتبعيض ، فقوله «من الملائكة » يقتضي أن يكون الرسل بعضهم لا كلهم ، وقوله : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً{[31963]} } [ فاطر : 1 ] يقتضي كون كلهم رسلاً ، فكيف الجمع ؟

فالجواب : يجوز{[31964]} أن يكون المذكور هاهنا من كان رسلاً إلى بني آدم ، وهم{[31965]} أكابر الملائكة كجبريل وميكائيل وإسرافيل ، والحفظة صلوات الله عليهم ، وأما كل الملائكة فبعضهم رسل إلى البعض{[31966]} . فإن قيل{[31967]} : قوله في سورة الزمر { لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ }{[31968]} [ الزمر : 4 ] فدل على أن ولده يجب أن يكون مصطفى ، وهذه الآية تدل على أن بعض الملائكة وبعض الناس من المصطفين ، فلزم بمجموع الآيتين إثبات الولد .

فالجواب : أن قوله : { لوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى }{[31969]} [ الزمر : 4 ] يدل على أن كل ولد مصطفى ولا يدل{[31970]} على أن كل مصطفى ولد ، فلا يلزم من دلالة هذه الآية على وجود مصطفى كونه ولداً . وأيضاً فالمراد من هذه الآية تبكيت من عبد غير الله من الملائكة ، كأنه سبحانه أبطل في الآية الأولى قول عبدة الأوثان ، وفي هذه الآية أبطل قول عبدة الملائكة ، فبين أن علو درجة الملائكة ليس لكونهم آلهة لأن الله اصطفاهم لمكان عبادتهم ، فكأنه تعالى بيَّن أنهم { مَا قَدرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } [ الحج : 74 ] إذ جعلوا الملائكة معبودة مع الله .

ثم بين تعالى{[31971]} : بقوله : { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } أنه يسمع ما يقولون ، ويرى ما يفعلون{[31972]} ولذلك أتبعه بقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }{[31973]} .


[31959]:ما بين القوسين سقط من ب.
[31960]:قال مقاتل: سقط من الأصل.
[31961]:[ص: 8].
[31962]:انظر الفخر الرازي 23/70.
[31963]:من قوله تعالى: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا} [فاطر: 1].
[31964]:يجوز: سقط من الأصل.
[31965]:في النسختين: وهو وما أثبته من الفخر الرازي.
[31966]:انظر الفخر الرازي 23/70 – 71. وفي ب: زيادة قوله: قال بعضهم: تقدير الكلام ومن الناس رسلا.
[31967]:من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23/70.
[31968]:[الزمر: 4].
[31969]:[الزمر: 4].
[31970]:في ب: كولاية. وهو تحريف.
[31971]:تعالى: سقط من ب.
[31972]:في ب: يعفلون. وهو تحريف.
[31973]:آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23/71.