اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} (1)

مقدمة السورة:

سورة المؤمنون

مكية{[1]} وهي مائة وثمان عشرة آية ، وألف ومائتان وأربعون كلمة ، وعدد حروفها أربعة آلاف ، وثمانمائة وحرفان .

قوله تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } الآيات العشر ، روى ابن شهاب{[32061]} عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري{[32062]} قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي يسمع عند وجهه كَدَويّ النحل فَمَكَثْنَا ساعة ، وفي رواية : فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة ، فَاسْتَقْبَلَ{[32063]} القبلة فرفع يديه ، وقال : «اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تَنْقِصْنَا ، وأكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا ، وأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا ، وآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا » ثم قال : «لَقَدْ أُنْزِلَ علينا عشر آيات مَنْ أَقَامَهُنَّ دخل الجنة » ثم قرأ : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } عشر آيات{[32064]} . ورواه الإمام أحمد ، وعلي بن المديني{[32065]} ، وجماعة عن عبد الرزاق{[32066]} وقالوا : «وَأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا وارْضَ عَنَّا »{[32067]} .

قوله : «قَدْ » هنا للتوقع ، قال الزمخشري : «قد » نقيضة «لَمَّا » قد تثبت{[32068]} المتوقع{[32069]} ولما تنفيه ، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لهذه البشارة ، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم ، فخوطبوا بما دلّ على ثبات{[32070]} ما توقعوه{[32071]} . وقال البغوي : قد حرف تأكيد . وقال المحققون : قد يقرب الماضي من الحال{[32072]} يدل على أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم{[32073]} عليه في الحال . وهو أبلغ من تجريد ذلك الفعل{[32074]} .

والعامة على «أَفْلَحَ » مفتوح الهمزة والحاء{[32075]} فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل ، وورش على قاعدته من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها{[32076]} . وعن حمزة في الوقف خلاف ، فروي عنه كورش وكالجماعة{[32077]} . وقال أبو البقاء : من أَلْقَى حركة الهمزة على الدال وحذفها فعلّته أنَّ الهمزة بعد حذف حركتها صُيِّرت ألفاً ، ثم حذفت لسكونها ( وسكون الدال قبلها في الأصل ولا يُعْتَدُّ بحركة الدال لأنها عارضة{[32078]} . وفي كلامه نظر من وجهين :

أحدهما : أنَّ اللغة الفصيحة في النقل حذف الهمزة من الأصل فيقولون : المَرَة والكَمَة في المَرْأة والكَمْأَة ، واللغة الضعيفة فيه إبقاؤها وتدبيرها بحركة ما قبلها ، فيقولون : المَرَاة والكَمَاة بمدة بدل الهمزة ك ( رَاس وفَاس ) فيمن خففها ، فقوله : صُيّرت ألفاً . ارتكاب لأضعف اللغتين {[32079]} .

الثاني : أنه وإن سُلم أنها صُيّرت ألفاً فلا نُسلّم أنَّ حذفها ){[32080]} لسكونها وسكون الدال في الأصل بعد حذفها لساكن محقق في اللفظ ، وهو الفاء من «أَفْلَحَ » ، ومتى وجد سبب ظاهر أُحيل{[32081]} الحكم عليه دون السبب المقدر . وقرأ طلحة بن مُصرّف وعمرو بن عبيد «أُفلح » مبنياً للمفعول{[32082]} ، أي : دخلوا في الفلاح فيحتمل أن يكون من أَفْلَح متعدياً ، يقال : أفلحه ، أي : أصاره إلى الفلاح ، فيكون «أَفْلَحَ » مستعملاً لازماً ومتعديا{[32083]} .

وقرأ طلحة أيضاً : «أَفْلَحُ » بفتح الهمزة واللام وضم الحاء{[32084]} ، وتخريجها على أنّ الأصل أفلحوا المؤمنون ، بإلحاق علامة جمع قبل الفاعل كلغة : أكلوني البراغيثُ ، فيجيء فيها ما تقدم في قوله :

{ ّثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ }{[32085]} [ المائدة : 71 ] { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ }{[32086]} [ الأنبياء : 3 ] .

قال عيسى : سمعتُ طلحة يقرؤها فقلتُ له : أتلحن ؟ قال : نعم كما لحن أصحابي

{[32087]} ، يعني أني اتّبعتهم فيما قَرَأْتُ به ، فإن لَحِنُوا على سبيل فَرْض المحالِ ، فأنا لاَحِنٌ تبعاً لهم . وهذا يدل على شدة اعتناء القدماء بالنقل وضبطه خلافاً لمن يُغلّط الرواة .

وقال ابن عطية : وهي قراءة مردودة{[32088]} . قال شهاب الدين : ولا أدري كيف يُردُّونها مع ثبوت مثلها في القرآن بإجماع{[32089]} ، وهما الآيتان المتقدمتان{[32090]} . وقال الزمخشري : وعنه أي : عن طلحة - «أَفْلَحُ » بضمة بغير واو اجتزاء{[32091]} بها عنها كقوله :

فَلَوْ أَنَّ الأَطِّبَّا كَانُ حَوْلِي{[32092]} *** . . .

وفيه نظر من حيث إن الواو لا تثبت في مثل هذا درجاً ، لئلا يلتقي ساكنان فالحذف هنا لا بدّ منه ، فكيف يقول اجتزأ بها عنها{[32093]} . وأما تنظيره بالبيت فليس بمطابق ، لأنّ حذفها من الآية ضروري ومن البيت ضرورة{[32094]} ، وهذه الواو لا يظهر لفظها في الدرج بل يظهر في الوقف وفي الخط .

وقد اختلف النقلة لقراءة طلحة هل يثبت للواو صورة ؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء{[32095]} ، وفي اللوامح{[32096]} : وحذفت الواو بعد الحاء لالتقائهما في الدرج ، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل { وَيَمْحُ{[32097]} الله الباطل }{[32098]} . [ الشورى : 24 ] . قال شهاب الدين : ومثله «سَندْعُ الزَّبَانِيَةَ »{[32099]} «لَصَالُ الجَحِيم »{[32100]} {[32101]} . قال المفسرون : والفلاح : النجاة والبقاء . قال ابن عباس : قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة{[32102]} . وتقدم الكلام في الإيمان في البقرة .


[1]:في النسختين تقدم. وندم تصحيح من الرازي. وانظر تصحيح ذلك وغيره في تفسير الإمام 28/117.
[32061]:من هنا نقله ابن عادل عن البغوي 6/3.
[32062]:في النسختين: القادري. هو عبد الرحمن بن عبد القاري، أخذ عن عمر، وأبي طلحة، وأخذ عنه السائب بن يزيد من أقرانه، وعروة، مات بالمدينة سنة 80 هـ. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال 2/143.
[32063]:في ب: واستقبل.
[32064]:أخرجه الترمذي (التفسير) 5/8، والإمام أحمد 1/34، وذكره السيوطي في الدر المنثور 5/2.
[32065]:هو علي بن عبد الله بن جعفر السعدي مولاهم أبو الحسن البصري، أحد الأئمة الأعلام، وحفاظ الإسلام، روى عن أبيه، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وغيرهم، وعنه أحمد، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم، مات سنة 234 هـ. طبقات الحافظ (184).
[32066]:هو عبد الرزاق بن همام بن نافع مولى لحمير، ويكنى أبا بكر، وكان أبوه همام يروي عن سالم بن عبد الله وغيره، مات سنة 221 هـ. المعارف 519.
[32067]:مسند الإمام أحمد 1/34. آخر ما نقله هنا عن البغوي 6/3.
[32068]:في ب: ثبت.
[32069]:"قد" حرف يختص بالفعل المتصرف الخبري المثبت المجرد من جازم وناصب وحرف تنفيس، وهي معه كالجزء، فلا تفصل منه بشيء، إلا بالقسم كقوله: أخالد قد والله أوطأت عشوة *** وما قائل المعروف فينا يعنف ومن معانيها التوقع وذلك مع المضارع واضح كقولك: قد يقدم الغائب اليوم، إذا كنت تتوقع قدومه. أما مع الماضي فأثبته الأكثرون، قال الخليل: يقال: قد فعل. لقوم ينتظرون الخبر، ومنه قول المؤذن: قد قامت الصلاة، لأن الجماعة منتظرون لذلك وأنكر بعضهم كونها للتوقع مع الماضي، وقال: التوقع انتظار الوقوع والماضي قد وقع. وأنكره ابن هشام مطلقا حيث قال: والذي يظهر لي قول ثالث، وهو أنها لا تفيد التوقع أصلا، أما في المضارع فلأن قولك: يقدم الغائب، يفيد التوقع (قد) إذ الظاهر من حال المخبر عن مستقبل أنه متوقع له. وأما في الماضي فلأنه لو صح إثبات التوقع لها، بمعنى أنها تدخل على ما هو متوقع، لصح أن يقال في: لا رجل، بالفتح: إن "لا" للاستفهام لأنها لا تدخل إلا جوابا لمن قال: هل من رجل، ونحوه فالذي بعد (لا) مستفهم عنه من جهة شخص آخر، كما أن الماضي بعد "قد" متوقع كذلك، وعبارة ابن مالك في ذلك حسنة فإنه قال: إنها تدخل على ماض متوقع، ولم يقل إنها تفيد التوقع، ولم يتعرض للتوقع في الداخلة على المضارع البتة. انظر المغني 1/171 – 172 الهمع 2/72 – 73.
[32070]:في الأصل: إثبات.
[32071]:الكشاف 3/42.
[32072]:أي: أن "قد" يكون لتقريب الماضي من الحال تقول: قام زيد، فيحتمل الماضي القريب والماضي البعيد فإذا قلت: قد قام. اختص بالقريب. وانبنى على إفادتها ذلك أحكام: أ – أنها لا تدخل على ليس، وعسى، ونعم، وبئس، لأنهن للحال، فلا معنى لذكر ما يقرب ما هو حاصل. ب - وجوب دخول "قد" عند البصريين إلا الأخفش على الماضي الواقع حالا إما ظاهرة نحو: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} [البقرة: 246] أو مقدرة نحو {هذه بضاعتنا ردت إلينا} [يوسف: 65]. وخالفهم الكوفيون والأخفش، فقالوا: لا تحتاج لذلك، لكثرة وقوعها حالا بدون "قد"، والأصل عدم التقدير، لا سيما فيما كثر استعماله. ج – هذا الحكم ذكره ابن عصفور، وهو أن القسم إذا أجيب بماض متصرف مثبت فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد جميعا نحو {تالله لقد آثرك الله علينا} [يوسف: 91]، وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها كقوله: حلفت لها بالله حلفة فاجر*** لناموا، فما إن من حديث ولا صالي والظاهر في الآية والبيت عكس ما قال: إذ المراد في الآية: لقد فضلك الله علينا بالصبر وسيرة المحسنين، وذلك محكوم له به في الأزل، وهو متصف به مذ عقل، والمراد في البيت أنهم ناموا قبل مجيئه. د – دخول لام الابتداء في نحو: إن زيدا لقد قام، وذلك لأن الأصل دخولها على الاسم وإنما دخلت على المضارع لشبهه بالاسم، فإذا قرب الماضي من الحال أشبه المضارع الذي هو شبيه بالاسم فجاز دخولها عليه. معاني الحروف (98) شرح المفصل 8/147 المغني 1/172 – 174، الهمع 2/73.
[32073]:في الأصل: وإنه.
[32074]:البغوي: 6/3
[32075]:في الأصل: الهاء. وهو تحريف.
[32076]:الإتحاف 59، 317، وذلك أن ورشا اختص بنقل حركة همزة القطع إلى الحرف الساكن الملاصق لها من آخر الكلمة التي قبلها، فيتحرك الساكن بحركة الهمزة وتسقط الهمزة بشرط أن يكون الساكن غير حرف مد سواء كان تنوينا، أو لام تعريف أو غير ذلك أصليا أو زائدا.
[32077]:الإتحاف 61، 317.
[32078]:التبيان 2/950، وانظر في ذلك أيضا مشكل إعراب القرآن 2/102 والبيان 2/180.
[32079]:قال سيبويه: (واعلم أن كل همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن فأردت أن تخفف حذفتها وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها. وذلك قولك: من بوك، ومن مك وكم بلك، إذا أردت أن تخفف الهمزة في الأب والأم والإبل. ومثل ذلك قولك: الحمر إذا أردت أن تخفف ألف الأحمر. ومثله قولك في المرأة: المرة والكماة: الكمة. وقد قالوا: الكماة المراة ومثله قليل) الكتاب 3/545.
[32080]:ما بين القوسين سقط من ب.
[32081]:في ب: اختل.
[32082]:المختصر (97) تفسير ابن عطية 10/330، البحر المحيط 6/395.
[32083]:البحر المحيط 6/395.
[32084]:المختصر (97) تفسير ابن عطية 10/330، البحر المحيط 6/395.
[32085]:[المائدة: 71].
[32086]:[الأنبياء: 3].
[32087]:البحر المحيط 6/395، وقال أبو حيان تعقيبا على ذلك: يعني أن مرجوعه في القراءة إلى ما روي، وليس بلحن على لغة: أكلوني البراغيث. وقال الزمخشري: أو على الإبهام والتفسير. الكشاف 3/42.
[32088]:تفسير ابن عطية 10/330.
[32089]:بإجماع: سقط من الأصل.
[32090]:الدر المصون 5/82.
[32091]:في الأصل: واجتزاء.
[32092]:الكشاف 3/42. صدر بيت من بحر الوافر وعجزه: وكان مع الأطباء الأساة. ولم يعزه أحد إلى قائل. وقد تقدم.
[32093]:في ب: عنها بها.
[32094]:عند من يعتبر ذلك الحذف ضرورة.
[32095]:المختصر (97).
[32096]:هو كتاب أبي الفضل الرازي.
[32097]:في الأصل: فيمح. وهو تحريف.
[32098]:من قوله تعالى: {ويمح الله الباطل ويحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور} [الشورى: 24]. البحر المحيط 6/395. وسقطت الواو من "يمحو" لالتقاء الساكنين التبيان 2/1132.
[32099]:[العلق: 18].
[32100]:من قوله تعالى: {ثم إنهم لصالوا الجحيم} [المطففين: 16].
[32101]:الدر المصون 5/82 – 83.
[32102]:البغوي 6/3 – 4.