مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (89)

ثم إنه تعالى قال له : { فاصفح عنهم } فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب ، والصفح هو الإعراض .

ثم قال : { وقل سلام } قال سيبويه إنما معناه المتاركة ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه { سلام عليك سأستغفر لك ربي } وكقوله { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } .

قوله { فسوف تعلمون } والمقصود منه التهديد . وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب ، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون .

المسألة الثانية : احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر ، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم . والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر .

المسألة الثالثة : قال ابن عباس قوله تعالى : { فاصفح عنهم وقل سلام } منسوخ بآية السيف ، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل ، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ ، وأيضا فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف ، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ والله أعلم بالصواب .

قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان : ثم تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله أولا وآخرا وباطنا وظاهرا ، والصلاة على أبد الآبدين ودهر الداهرين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (89)

{ فاصفح } فأعرض { عَنْهُمْ } ولا تطمع في إيمانهم ، وأصل الصفح لي صفحة العنق فكنى به عن الإعراض .

{ وَقُلْ } لهم { سلام } أي امرى سلام تسلم منكم ومتاركة فليس ذلك أمراً بالسلام عليهم والتحية وإنما هو أمر بالمتاركة ، وحاصله إذا أبيتم القبول فأمري التسلم منكم ، و استدل بعضهم بذلك على جواز السلام على الكفار وابتدائهم بالتحية ، أخرج ابن أبي شيبة . عن شعيب بن الحبحاب قال : كنت مع علي بن عبد الله البارقي فمر علينا يهودي أو نصراني فسلم عليه قال شعيب : فقلت : إنه يهودي أو نصراني فقرأ على آخر سورة الزخرف { وَقِيلِهِ يارب } [ الزخرف : 88 ] إلى الآخر ، وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن عون بن عبد الله أنه قال قلت لعمر بن عبد العزيز كيف تقول أنت في ابتداء أهل الذمة بالسلام ؟ فقال : ما أرى بأساً أن نبتدئهم قلت لم ؟ قال : لقوله تعالى : { فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام } ومما ذكرنا يعلم ضعفه ، وقال السدى : المعنى قل خيراً بدلاً من شرهم ، وقال مقاتل : اردد عليهم معروفاً ، وحكى الماوردي أي قل ما تسلم به من شرهم والكل كما ترى والحق ما قدمنا { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } حالهم السيئة وإن تأخر ذلك وهو وعيد من الله سبحانه لهم وتسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وقرأ أبو جعفر . والحسن . والأعرج . ونافع . وهشام { تَعْلَمُونَ } بتاء الخطاب على أنه داخل في حيز { قُلْ } وإن أريد من الآية الكف عن القتال فهي منسوخة وإن أريد الكف عن مقابلتهم بالكلام فليست بمنسوخة والله تعالى أعلم .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ} (89)

ولكنه تعالى حليم ، يمهل العباد ويستأني بهم ، لعلهم يتوبون ويرجعون ، ولهذا قال : { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ } أي : اصفح عنهم ما يأتيك من أذيتهم القولية والفعلية ، واعف عنهم ، ولا يبدر منك لهم إلا السلام الذي يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين ، كما قال تعالى عن عباده الصالحين : { وإذا خاطبهم الجاهلون } أي : خطابا بمقتضى جهلهم { قالوا سلاما } فامتثل صلى اللّه عليه وسلم ، لأمر ربه ، وتلقى ما يصدر إليه من قومه وغيرهم من الأذى ، بالعفو والصفح ، ولم يقابلهم عليه إلا بالإحسان إليهم والخطاب الجميل .

فصلوات اللّه وسلامه على من خصه اللّه بالخلق العظيم ، الذي فضل به أهل الأرض والسماء ، وارتفع به أعلى من كواكب الجوزاء .

وقوله : { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي : غِبَّ ذنوبهم ، وعاقبة جرمهم .

تم تفسير سورة الزخرف