ثم قال تعالى : { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } قال صاحب «الكشاف » وقرئ نبطش بضم الطاء ، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه تعالى يأمر الملائكة بأن يبطشوا بهم والبطش الأخذ بشدة ، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع ثم صار بحيث يستعمل في إيصال الآلام المتتابعة ، وفي المراد بهذا اليوم قولان :
القول الأول : أنه يوم بدر وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبي العالية رضي الله تعالى عنهم ، قالوا إن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر .
والقول الثاني : أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : قال ابن مسعود : البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول هي يوم القيامة ، وهذا القول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم ، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } ولأن هذه البطشة لما وصفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا في القيامة ولفظ الانتقام في حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء والتعجب ، والمعنى معلوم ، والله أعلم .
{ يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى } هو يوم بدر عند ابن مسعود وأخرجه عبد بن حميد . وابن جرير عن أبي بن كعب . ومجاهد . والحسن . وأبي العالية . وسعيد بن جبير . ومحمد بن سيرين . وقتادة . وعطية ، وأخرجه ابن مردويه عن ابن عباس .
وأخرج ابن جرير . وعبد بن حميد بسند صحيح عن عكرمة . قال : قال ابن عباس قال ابن مسعود البطشة الكبرى يوم بدر ، وأنا أقول : هي يوم القيامة ونقل في »البحر » حكاية أنه يوم القيامة عن الحسن . وقتادة أيضاً .
والظرف معمول لما دل عليه قوله تعالى : { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } أي إنا ننتقم يوم إذ انا منتقمون ، وقيل لمنتقمون ورده الزجاج وغيره بأن ما بعد إن لا يجوز أن يعمل فيما قبلها ، وقيل لعائدون على معنى إنكم لعائدون إلى العذاب يوم نبطش .
وقيل بكاشفوا العذاب وليس بشيء وقيل لذكرهم أو اذكر مقدراً ، وقيل هو بدل من { يَوْمَ تَأْتِى } [ الدخان : 10 ] الخ .
وقرئ { نَبْطِشُ } بضم الطاء وقرأ الحسن . وأبو رجاء . وطلحة بخلاف عنه { نَبْطِشُ } بضم النون من باب الأفعال على معنى نحمل الملائكة عليهم السلام على أن يبطشوا بهم أو نمكنهم من ذلك فالمفعول به محذوف للعلم وزيادة التهويل ، وجعل البطشة على هذا مفعولاً مطلقاً على طريقة { أنبتكم . . . نباتاً } [ نوح : 17 ] ، وقال ابن جني ، وأبو حيان : هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه الظاهر أي يوم نبطش من نبطشه فيبطش البطشة الكبرى ، وقال ابن جني : ولك أن تنصبها على أنها مفعول كأنه به قيل : يوم نقوي البطشة الكبرى عليهم ونمكنها منهك كقولك : يوم نسلط القتل عليهم ونوسع الأخذ منهم ، وفي «القاموس » بطش به يبطش ويبطش أخذه بالعنف والسطوة كابطشة والبطش الأخذ الشديد في كل شيء والبأس اه فلا تغفل .
وأن قوله تعالى : { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } أن هذا ما وقع لقريش كما تقدم . وإذا نزلت هذه الآيات على هذين المعنيين لم تجد في اللفظ ما يمنع من ذلك .
بل تجدها مطابقة لهما أتم المطابقة وهذا الذي يظهر عندي ويترجح والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.