مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (45)

قوله تعالى { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين }

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : اعلم أن قوله : { رب إن ابني من أهلي } فقد ذكرنا الخلاف في أنه هل كان ابنا له أم لا فلا نعيده . ثم إنه تعالى ذكر أنه قال : { يا نوح إنه ليس من أهلك } واعلم أنه لما ثبت بالدليل أنه كان ابنا له وجب حمل قوله : { إنه ليس من أهلك } على أحد وجهين : أحدهما : أن يكون المراد أنه ليس من أهل دينك . والثاني : المراد أنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك والقولان متقاربان .

المسألة الثانية : هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب فإن في هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه . ولكن لما انتفت قرابة الدين لا جرم نفاه الله تعالى بأبلغ الألفاظ وهو قوله : { إنه ليس من أهلك } .

ثم قال تعالى : { إنه عمل غير صالح } قرأ الكسائي : عمل على صيغة الفعل الماضي ، وغير بالنصب ، والمعنى : أن ابنك عمل عملا غير صالح يعني أشرك وكذب ، وكلمة { غير } نصب ، لأنها نعت لمصدر محذوف ، وقرأ الباقون : عمل بالرفع والتنوين ، وفيه وجهان : الأول : أن الضمير في قوله إنه عائد إلى السؤال ، يعني أن هذا السؤال عمل وهو قوله : { إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق } غير صالح ، لأن طلب نجاة الكافر بعد أن سبق الحكم ، الجزم بأنه لا ينجي أحدا منهم سؤال باطل . الثاني : أن يكون هذا الضمير عائدا إلى الابن ، وعلى هذا التقدير ففي وصفه بكونه عملا غير صالح وجوه : الأول : أن الرجل إذا كثر عمله وإحسانه يقال له : إنه علم وكرم وجود ، فكذا ههنا لما كثر إقدام ابن نوح على الأعمال الباطلة حكم عليه بأنه في نفسه عمل باطل . الثاني : أن يكون المراد أنه ذو عمل باطل ، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه . الثالث : قال بعضهم معنى قوله : { إنه عمل غير صالح } أي إنه ولد زنا وهذا القول باطل قطعا .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ} (45)

{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ } أي أراد ذلك بدليل تفريع قوله سبحانه : { فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } عليه ، وقيل : النداء على حقيقته والعطف بالفاء لكون حق التفصيل يعقب الإجمال { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } أي وإن وعدك ذلك أوكل وعد تعده حق لا يتطرق إليه خلف فيدخل فيه الوعد المعهود دخولاً أولياً .

{ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم ، وقد ذكر أنه إذا بني أفعل من الشيء الممتنع من التفضيل والزيادة يعتبر فيما يناسب معناه معنى الممتنع ، وقال العز بن عبد السلام في أماليه : إن هذا ونحوه من أرحم الراحمين وأحسن الخالقين مشكل لأن أفعل لا يضاف إلا إلى جنسه ، وهنا ليس كذلك لأن الخلق من الله سبحانه بمعنى الإيجاد ومن غيره بمعنى الكسب وهما متباينان يعني على المشهور من مذهب الأشاعرة ، والرحمة من الله تعالى إن حملت على الإرادة أو جعلت من مجاز التشبيه صح وإن أريد إيجاد فعل الرحمة كان مشكلاً أيضاً إذ لا موجد سواه سبحانه ، وأجاب الآمدي بأنه بمعنى أعظم من يدعي بهذا الاسم ، واستشكل بأن فيه جعل التفاضل في غير ما وضع اللفظ بإزائه وهو يناسب مذهب المعتزلة فافهم ، وقيل : المعنى هنا أنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكم كالدارع من الدرع ، واعترض عليه بأن الباب ليس بقياسي وأنه لم يسمع حاكم بمعنى حكيم وأنه لا يبنى منه أفعل إذاً لأنه ليس جارياً على الفعل لا يقال : ألبن وأتمر من فلان إذ لا فعل بذلك المعنى ، والجواب بأنه قد كثر في كلامهم فجوز على أن يكون وجهاً مرجوحاً وبأنه من قبيل أحنك الشاتين لا يخلو عن تعسف كما في الكشف ، وتعقب بأن للحكمة فعلا ثلاثياً وهو حكم ، وأفعل من الثلاثي مقيس ، وأيضاً سمع احتنك الجراد . وألبن . وأتمر فغايته أن يكون من غير الثلاثي ولا يخفى ما فيه ، ومنهم من فسره على هذا بأعلمهم بالحكمة كقولهم ؛ آبل من أبل بمعنى أعلم . وأحذف بأمر الإبل ، وأياً مّا كان فهذا النداء منه عليه السلام يقطر منه الاستعطاف ، وجميل التوسل إلى من عهده منعاً مفضلاً في شأنه أولاً وآخراً وهو على طريقة دعاء أيوب عليه السلام { إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ } [ الأنبياء : 83 ] فيكون ذلك قبل الغرق ، والواو لا تقتضي الترتيب ، وقيل : إن النداء إنما كان بعده والمقصود منه الاستفسار عن سبب عدم إنجائه مع سبق وعده تعالى بإنجاء أهله وهو منهم ، وسيأتي إن شاء الله تعالى قريباً تمام الكلام في ذلك .

( ومن باب الإشارة ) : { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ } [ هود : 45 ] الخ الكلام على هذا الطرز فيه ظاهر