مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (42)

قوله تعالى { وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين }

واعلم أن قوله : { وهى تجرى بهم في موج كالجبال } مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { وهى تجرى بهم في موج } متعلق بمحذوف ، والتقدير : وقال اركبوا فيها ، فركبوا فيها يقولون : بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال .

المسألة الثانية : الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة ، والمقصود منه : بيان شدة الهول والفزع .

المسألة الثالثة : الجريان في الموج ، هو أن تجري السفينة داخل الموج ، وذلك يوجب الغرق ، فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب ، شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج .

ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اختلفوا في أنه كان ابنا له ، وفيه أقوال :

القول الأول : أنه ابنه في الحقيقة ، والدليل عليه : أنه تعالى نص عليه فقال : { ونادى نوح ابنه } ونوح أيضا نص عليه فقال : { يا بني } وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه ، فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافرا ، وهذا بعيد ، فإنه ثبت أن والد رسولنا صلى الله عليه وسلم كان كافرا ، ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافرا بنص القرآن ، فكذلك ههنا ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال : { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } فكيف ناداه مع كفره ؟

فأجابوا عنه من وجوه : الأول : أنه كان ينافق أباه فظن نوح أنه مؤمن فلذلك ناداه ولولا ذلك لما أحب نجاته . والثاني : أنه عليه السلام كان يعلم أنه كافر ، لكنه ظن أنه لما شاهد الغرق والأهوال العظيمة فإنه يقبل الإيمان فصار قوله : { يا بني اركب معنا } كالدلالة على أنه طلب منه الإيمان وتأكد هذا بقوله : { ولا تكن مع الكافرين } أي تابعهم في الكفر واركب معنا . والثالث : أن شفقة الأبوة لعلها حملته على ذلك النداء ، والذي تقدم من قوله : { إلا من سبق عليه القول } كان كالمجمل فلعله عليه السلام جوز أن لا يكون هو داخلا فيه .

القول الثاني : أنه كان ابن امرأته وهو قول محمد بن علي الباقر وقول الحسن البصري ويروى أن عليا رضي الله عنه قرأ { ونادى نوح ابنه } والضمير لامرأته ، وقرأ محمد بن علي وعروة بن الزبير { ابنه } بفتح الهاء يريد أن { ابنها } إلا أنهما اكتفيا بالفتحة عن الألف ، وقال قتادة سألت الحسن عنه فقال : والله ما كان ابنه فقلت : إن الله حكى عنه أنه قال : { إن ابني من أهلي } وأنت تقول : ما كان ابنا له ، فقال : لم يقل : إنه مني ولكنه قال من أهلي وهذا يدل على قولي .

القول الثالث : أنه ولد على فراشه لغير رشدة ، والقائلون بهذا القول احتجوا بقوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط فخانتاهما وهذا قول خبيث يجب صون منصب الأنبياء عن هذه الفضيحة لا سيما وهو على خلاف نص القرآن . أما قوله تعالى { فخانتاهما } فليس فيه أن تلك الخيانة إنما حصلت بالسبب الذي ذكروه . قيل لابن عباس رضي الله عنهما : ما كانت تلك الخيانة فقال : كانت امرأة نوح تقول : زوجي مجنون ، وامرأة لوط تدل الناس على ضيفه إذا نزلوا به . ثم الدليل القاطع على فساد هذا المذهب قوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } وأيضا قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } وبالجملة فقد دللنا على أن الحق هو مقول الأول .

وأما قوله : { وكان في معزل } فاعلم أن المعزل في اللغة معناه : موضع منقطع عن غيره ، وأصله من العزل ، وهو التنحية والإبعاد . تقول : كنت بمعزل عن كذا ، أي بموضع قد عزل منه .

واعلم أن قوله : { وكان في معزل } لا يدل على أنه في معزل من أي شيء فلهذا السبب ذكروا وجوها : الأول : أنه كان في معزل من السفينة لأنه كان يظن أن الجبل يمنعه من الغرق : الثاني : أنه كان في معزل عن أبيه وإخوته وقومه : الثالث : أنه كان في معزل من الكفار كأنه انفرد عنهم فظن نوح عليه السلام أن ذلك إنما كان لأنه أحب مفارقتهم .

أما قوله : { يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين } فنقول : قرأ حفص عن عاصم { يا بني } بفتح الياء في جميع القرآن والباقون بالكسر . قال أبو علي : الوجه الكسر وذلك أن اللام من ابن ياء أو واو فإذا صغرت ألحقت ياء التحقير ، فلزم أن ترد اللام المحذوفة وإلا لزم أن تحرك ياء التحقير بحركات الإعراب لكنها لا تحرك لأنها لو حركت لزم أن تنقلب كما تنقلب سائر حروف المد واللين إذا كانت حروف إعراب ، نحو عصا وقفا ولو انقلبت بطلت دلالتها على التحقير ثم أضفت إلى نفسك اجتمعت ثلاث آيات . الأول : منها للتحقير . والثانية : لام الفعل . والثالثة : التي للإضافة تقول : هذا بني فإذا ناديته صار فيه وجهان : إثبات الياء وحذفها والاختيار حذف الياء التي للإضافة وإبقاء الكسرة دلالة عليه نحو يا غلام ومن قرأ { يا بني } بفتح الياء فإنه أراد الإضافة أيضا كما أرادها من قرأ بالكسر لكنه أبدل من الكسرة الفتحة ومن الياء الألف تخفيفا فصار يا بنيا كما قال :

يا ابنة عما لا تلومي واهجعي

ثم حذف الألف للتخفيف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (42)

وقوله سبحانه : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ في مَوْجٍ كالجبال } جوز فيه ثلاثة أوجه : الأول : أن يكون مستأنفاً ، الثاني : أن يكون حالاً من الضمير المستتر في { بِسْمِ اللَّهِ } أي جريانها استقر { بِسْمِ اللَّهِ } [ هود : 41 ] حال كونها جارية ، الثالث : أنه حال من شيء محذوف دل عليه السياق أي فركبوا فيها جارية ، والفاء المقدرة للعطف ، و { بِهِمُ } متعلق بتجري أو بمحذوف أي ملتبسة والمضارع لحكاية الحال الماضية ولا معنى للحالية من الضمير المستتر في الحال الأولى كما لا يخفى ، والموج ما ارتفع من الماء عند اضطرابه ، واحده موجة و { كالجبال } في موضع الصفة لموج أي في موج مرتفع متفاوت في الارتفاع متراكم ، قيل : إنها جرت بهم في موج كذلك وقد بقي منها فوق الماء ستة أذرع ، واستشكل هذا الجريان مع ما روي أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وأن السفينة كانت تجري في داخله كالسمك ، وأجيب بأن الرواية مما لا صحة لها ويكاد العقل يأبى ذلك ، نعم أخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن عساكر . وعبد بن حميد من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير قال : إن الماء علا رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً على أنه لو سلم صحة ما ذكر فهذا الجريان كان في ابتداء الأمر قبل أن يتفاقم الخطب كما يدل عليه قوله سبحانه : { ونادى نُوحٌ ابنه } الخ فإن ذلك إنما يتصور قبل أن تنقطع العلاقة بين السفينة والبر إذ حينئذٍ يمكن جريان ما جرى بين نوح عليه السلام وبين ابنه من المفاوضة والاستدعاء إلى السفينة ، والجواب بالاعتصام بالجبل .

وقال بعض المحققين : إن هذا النداء إنما كان قبل الركوب في السفينة والواو لا تدل على الترتيب ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ ابنها على أن ضمير التأنيث لامرأته ، وفي إضافته إليها إشعار بأنه ربيبه لأن الإضافة إلى الأم مع ذكر الأب خلاف الظاهر ، وإن جوزوه ، ووجه بأنه نسب إليها لكونه كافراً مثلها ، وما يقال من أنه كان لغير رشدة لقوله سبحانه : { فَخَانَتَاهُمَا } [ التحريم : 10 ] فارتكاب عظيمة لا يقادر قدرها فإن الله تعالى قد طهر الأنبياء عليهم السلام عما هو دون ذلك من النقص بمراحل فحاشاهم ثم حاشاهم أن يشار إليهم بأصبع الطعن وإنما المراد بالخيانة الخيانة في الدين ، ونسبة هذا القول إلى الحسن . ومجاهد كما زعم الطبرسي كذب صريح ، وقرأ محمد بن علي . وعروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهم { ابنه } بهاء مفتوحة دون ألف اكتفاءاً بالألف( {[323]} ) عنها وهو لغة كما قال ابن عطية ومن ذلك قوله

أما تقود بها شاة فتأكلها *** أو أن تبيعه في بعض الأراكيب

قيل : وهو ضعيف في العربية حتى خصه بعضهم بالضرورة والضمير للأم أيضاً ، وقرأ ابن عباس ابنه بسكون الهاء ، وهي على ما قال ابن عطية . وأبو الفضل الرازي . لغة أزد فإنهم يسكنون هاء الكناية من المذكر ، ومنه قوله :

ونضواي( {[324]} ) مشتاقان له أرقان *** وقيل : إنها لغة لبني كلاب . وعقيل ، ومن النحويين من يخص هذا السكون بالضرورة وينشد

وأشرب الماء ما بي نحوه عطش *** إلا لأن عيونه سيل واديها

وقرأ السدي ابناه بألف وهاء سكت ، وخرج ذلك على الندبة ، واستشكل بأن النحاة صرحوا بأن حرف النداء لا يحذف في الندبة ، وأجيب بأن هذا حكاية ، والذي منعوه في الندبة نفسها لا في حكايتها ، وعن ابن عطية أبناه بفتح همزة القطع . التي للنداء ، وفيه أنه لا ينادي المندوب بالهمزة ، وأن الرواية بالوصل فيها والنداء بالهمزة لم يقع في القرآن ، ويبعد القول بالندبة أنها لا تلائم الاستدعاء إلى السفينة بعد كما لا يخفى ولو قيل : إن ابناه على هذه القراءة مفعول نادى أيضاً كما في غيرها من القراءات ، والألف للإشباع والهاء الساكنة هاء الضمير في بعض اللغات لم يكن هناك محذور من جهة المعنى وهو ظاهر ، نعم يتوقف القول بذلك على السماع في مثله ؛ ومتى ثبت تعين عندي تخريج القراءة إن صحت عليه ، وقرأ الجمهور { ابنه } بالإضافة إلى ضمير نوح ، ووصلوا بالهاء واواً وتوصل في الفصيح ، وتنوين { نُوحٌ } مكسور عند الجمهور دفعاً لالتقاء الساكنين ، وقرأ وكيع بضمه اتباعاً لحركة الإعراب .

وقال أبو حاتم : هي لغة سوء لا تعرف { وَكَانَ في مَعْزِلٍ } أي مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وإخوته ومن آمن من قومه ، والمراد بعده عنهم إما حساً أو معنى ، وحاصله المخالفة لهم في الدين فمعزل بالكسر اسم مكان العزلة ، وهي إما حقيقية أو مجازية ، وقد يكون اسم زمان ، وإذا فتح كان مصدراً ، وقيل : المراد كان في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم ، وظن نوح عليه السلام أنه يريد مفارقتهم ولذلك دعاه إلى السفينة ، وقيل : إنما ناداه لأنه كان ينافقه فظن أنه مؤمن ، واختاره كثير من المحققين كالماتريدي . وغيره ، وقيل : كان يعلم أنه كافر إلى ذلك الوقت لكنه عليه السلام ظن أنه عند مشاهدة تلك الأهوال وبلوغ السيل الزبي ينزجر عما كان عليه ويقبل الإيمان ، وقيل : لم يجزم بدخوله في الاستثناء لما أنه كان كالمجمل فحملته شفقة الأبوة على أن ناداه { يبَنِى } بفتح الياء التي هي لام الكلمة اجتزاءاً بالفتحة عن الألف المبدلة من ياء الإضافة في قوله يا بنيا ، وقيل : إنها سقطت لالتقائها ساكنة مع الراء الساكنة بعدها ، ويؤيد الأول أنه قرىء كذلك حيث لا ساكن بعد .

ومن الناس من قال : فيه ضعف على ما حكاه يونس من ضعف يا أب ويا أم بحذف الألف والاجتزاء عنها بالفتحة .

وقرأ الجمهور بالكسر اقتصاراً عليه من ياء الإضافة ، وقيل : إنها حذفت لالتقاء الساكنين كما قيل ذلك في الألف ، ونداؤه بالتصغير من باب التحنن والرأفة ، وكثيراً ما ينادي الوالد ولده كذلك { اركب مَّعَنَا } أي في السفينة ولتعينها وللإيذان بضيق المقام حيث حال الجريض دون القريض مع إغناء المعية عن ذكرها لم تذكر ، وأطلق الركوب وتخفيف الباء وإدغامها في الميم قراءتان سبعيتان ووجه الإدغام التقارب في المخرج { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } تأكيد للأمر وهو نهي عن مشايعة الكفرة والدخول في غمارهم ، وقطع بأن الدخول فيه يوجب الغرق على الطريق البرهاني .

( ومن باب الإشارة ) : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ في مَوْجٍ } من بحر الطبيعة الجسمانية { كالجبال } الحاجبة للنظر المانعة من السير وهم لا يبالون بذلك محفوظون من أن يصيبهم شيء من ذلك الموج ، وهذا الجريان يعرض للسالك في ابتداء أمره ولولا أنه محفوظ في لزوم سفينة الشرع لهلك .

/ ولعل في الآية على هذا تغليباً { ونادى نُوحٌ ابنه } المحجوب بالعقل المشوب بالوهم { وَكَانَ في مَعْزِلٍ } لذلك الحجاب عن الدين والشريعة { مَعْزِلٍ يابنى اركب مَّعَنَا } أي ادخل في ديننا { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } [ هود : 42 ] المحجوبين الهالكين بأمواج هوى النفس المغرقين في بحر الطبع


[323]:- قوله: اكتفاءا بالألف الخ كذا في خطه ولعله بالفتحة عن الألف.
[324]:- قوله ونضواي كذا بخطه رحمه الله، والذي في الصحاح. وغيره ومطواي.