مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ} (39)

قوله تعالى { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { يشكرون يا صاحبي السجن } يريد صاحبي في السجن ، ويحتمل أيضا أنه لما حصلت مرافقتهما في السجن مدة قليلة أضيفا إليه وإذا كانت المرافقة القليلة كافية في كونه صاحبا فمن عرف الله وأحبه طول عمره أولى بأن يبقى عليه اسم المؤمن العارف المحب .

المسألة الثانية : اعلم أنه عليه السلام لما ادعى النبوة في الآية الأولى وكان إثبات النبوة مبنيا على إثبات الإلهيات لا جرم شرع في هذه الآية في تقرير الإلهيات ، ولما كان أكثر الخلق مقرين بوجود الإله العالم القادر وإنما الشأن في أنهم يتخذون أصناما على صورة الأرواح الفلكية ويعبدونها ويتوقعون حصول النفع والضر منها لا جرم كان سعي أكثر الأنبياء في المنع من عبادة الأوثان ، فكان الأمر على هذا القانون في زمان يوسف عليه السلام ، فلهذا السبب شرع ههنا في ذكر ما يدل على فساد القول بعبادة الأصنام وذكر أنواعا من الدلائل والحجج .

الحجة الأولى : قوله : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } وتقرير هذه الحجة أن نقول : إن الله تعالى بين أن كثرة الآلهة توجب الخلل والفساد في هذا العالم وهو قوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } فكثرة الآلهة توجب الفساد والخلل ، وكون الإله واحدا يقتضي حصول النظام وحسن الترتيب فلما قرر هذا المعنى في سائر الآيات قال ههنا : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } والمراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار .

والحجة الثانية : أن هذه الأصنام معمولة لا عاملة ومقهورة لا قاهرة ، فإن الإنسان إذا أراد كسرها وإبطالها قدر عليها فهي مقهورة لا تأثير لها ، ولا يتوقع حصول منفعة ولا مضرة من جهتها وإله العالم فعال قهار قادر يقدر على إيصال الخيرات ودفع الشرور والآفات فكان المراد أن عبادة الآلهة المقهورة الذليلة خير أم عبادة الله الواحد القهار ، فقوله : { أأرباب } إشارة إلى الكثرة فجعل في مقابلته كونه تعالى واحدا وقوله : { متفرقون } إشارة إلى كونها مختلفة في الكبر والصغر ، واللون والشكل ، وكل ذلك إنما حصل بسبب أن الناحت والصانع يجعله على تلك الصورة فقوله : { متفرقون } إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة وجعل في مقابلته كونه تعالى قهارا فبهذا الطريق الذي شرحناه اشتملت هذه الآية على هذين النوعين الظاهرين .

والحجة الثالثة : أن كونه تعالى واحدا يوجب عبادته ، لأنه لو كان له ثان لم نعلم من الذي خلقنا ورزقنا ودفع الشرور والآفات عنا ، فيقع الشك في أنا نعبد هذا أم ذاك ، وفيه إشارة إلى ما يدل على فساد القول بعبادة الأوثان وذلك لأن بتقدير أن تحصل المساعدة على كونها نافعة ضارة إلا أنها كثيرة فحينئذ لا نعلم أن نفعنا ودفع الضرر عنا حصل من هذا الصنم أو من ذلك الآخر أو حصل بمشاركتهما ومعاونتهما ، وحينئذ يقع الشك في أن المستحق للعبادة هو هذا أم ذاك أما إذا كان المعبود واحدا ارتفع هذا الشك وحصل اليقين في أنه لا يستحق للعبادة إلا هو ولا معبود للمخلوقات والكائنات إلا هو ، فهذا أيضا وجه لطيف مستنبط من هذه الآية .

الحجة الرابعة : أن بتقدير أن يساعد على أن هذه الأصنام تنفع وتضر على ما يقوله أصحاب الطلسمات ، إلا أنه لا نزاع في أنها تنفع في أوقات مخصوصة وبحسب آثار مخصوصة ، والإله تعالى قادر على جميع المقدورات فهو قهار على الإطلاق نافذ المشيئة والقدرة في كل الممكنات على الإطلاق فكان الاشتغال بعبادته أولى .

الحجة الخامسة : وهي شريفة عالية ، وذلك لأن شرط القهار أن لا يقهره أحد سواه وأن يكون هو قهارا لكل ما سواه وهذا يقتضي أن يكون الإله واجب الوجود لذاته إذ لو كان ممكنا لكان مقهورا لا قاهرا ويجب أن يكون واحدا ، إذ لو حصل في الوجود واجبان لما كان قاهرا لكل ما سواه ، فالإله لا يكون قهارا إلا إذا كان واجبا لذاته وكان واحدا ، وإذا كان المعبود يجب أن يكون كذلك فهذا يقتضي أن يكون الإله شيئا غير الفلك وغير الكواكب وغير النور والظلمة وغير العقل والنفس . فأما من تمسك بالكواكب فهي أرباب متفرقون وهي ليست موصوفة بأنها قهارة ، وكذا القول في الطبائع والأرواح والعقول والنفوس فهذا الحرف الواحد كاف في إثبات هذا التوحيد المطلق وأنه مقام عال فهذا مجموع الدلائل المستنبطة من هذه الآية بقي فيها سؤالان :

السؤال الأول : لم سماها أربابا وليست كذلك .

والجواب : لاعتقادهم فيها أنها كذلك ، وأيضا الكلام خرج على سبيل الفرض والتقدير : والمعنى أنها إن كانت أربابا فهي خير أم الله الواحد القهار .

السؤال الثاني : هل يجوز التفاضل بين الأصنام وبين الله تعالى حتى يقال إنها خير أم الله الواحد القهار ؟

الجواب : أنه خرج على سبيل الفرض ، والمعنى : لو سلمنا أنه حصل منها ما يوجب الخير فهي خير أم الله الواحد القهار .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ} (39)

{ يَا صَاحبَي السِّجْن } أي يا صاحبي فيه إلا أنه أضيف إلى الظرف توسعاً كما في قولهم : يا سارق الليلة أهل الدار ؛ ولعله إنما ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجان ودار الأحزان التي تصفو فيها المودة وتتمحض النصيحة ليقبلا عليه ويقبلا مقالته ؛ ويجوز أن يراد بالصحبة السكنى كما يقال : أصحاب النار وأصحاب الجنة لملازمتهم لهما ، والإضافة من باب إضافة الشيء إلى شبه المفعول عند أبي حيان وإلى المفعول عند غيره ولا اتساع في ذلك ، وقيل : بل هناك اتساع أيضاً ، وأنه أضافهما إلى السجن دونه لكونهما كافرين وفيه نظر ، ولعل في ندائهما بذلك على هذا الوجه حثاً لهما على الإقرار بالحق كأنه قال لهما : يا ساكني هذا المكان الشاق والمحل الضنك إني ذاكر لكم أمراً فقولوا الحق فيه ولا تزيغوا عن ذلك فأنتم تحت شدة ولا ينبغي لمن كان كذلك أن يزيغ عن الحق ، وإنما حمل الصاحب على ما سمعت لأن صاحب السجن في الاستعمال المشهور السجان أو الملك ، والنداء - بيا - بناءاً على الشائع( {[379]} ) من أنها للبعيد للإشارة / إلى غفلتهما وهيمانهما في أودية الضلال .

وقد تلطف عليه السلام بهما في ردهما إلى الحق وإرشادهما إلى الهدى حيث أبرز لهما ما يدل على بطلان ما هما عليه بصورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بإبطال ما ألفاه دهراً طويلاً ومضت عليه أسلافهما جيلاً فجيلاً فقال : { ءَأرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ } متعددون متكثرون يستعبدكما منهم هذا وهذا ، والكلام على ما صرح به أبو حيان على حذف مضاف أي أعبادة أرباب متفرقين { خَيْرٌ } لكما { أَم اللهُ } أي أم عبادة الله سبحانه { الْوَاحدُ } المنفرد بالألوهية { الْقَهَّارُ } الغالب الذي لا يغالبه أحد جل وعلا ، وهو أولى مما قاله الخطابي من أنه الذي قهر الجبابرة بالعقوبة والخلق بالموت .

وذكر الزمخشري أن هذا مثل ضرب لعبادة الله تعالى وحده ولعبادة الأصنام ، واعترضه القطب بأن ذلك إنما يصح لو نسبا تارة إلى أرباب شتى وأخرى إلى رب واحد كما في قوله تعالى : { ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء } [ الزمر : 29 ] الآية لكنهما نسبا إلى أرباب وإلى الله تعالى ، فكيف يكون مثلاً ؟ ! وأجاب بأنه يفسر الله تعالى برب واحد لأنه في مقابلة أرباب ، وإنما عبر عن رب واحد بالله تعالى لانحصاره فيه جل جلاله . وقال الطيبي أيضاً : إن في ذلك إشكالاً لأن الظاهر من الآية نفي استواء الأصنام وعبادتها بالله تعالى وعبادته فأين المثل ؟ ثم قال : لكن التقدير أسادات شتى تستعبد مملوكاً واحداً خير من سيد واحد قهار فوضع موضع الرب ، والسيد الله لكونه مقابلاً لقوله : { أأرباب } فيكون كقوله تعالى : { ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء }

[ الزمر : 29 ] الآية .

وقرر في «الكشف » ما ادعى معه ظهور كونه مثلاً ظهوراً لا إشكال فيه ، والحق أنه ظاهر في نفي الاستواء وإنّ جعله مثلاً يحتاج إلى تأويل حسبما سمعت عن الطيبي إلا أنه لا يخلو عن لطف ؛ ولعله الأولى وإن أحوج إلى ما أحوج . وحمل التفرق على التفرق في العدد والتكاثر مما ذهب إليه غير واحد ، وحمله بعضهم على الاختلاف في الكبر والصغر والشكل ونحو ذلك مما يحصل لها بواسطة تأثير الغير فيها ، وجعله إشارة إلى كونها مقهورة عاجزة . وأما التعدد فيشير إليه جمع أرباب باعتبار أنه جمع فيكون ذكر الواحد على هذا في مقابلة ما أشير إليه من التعدد ، والقهار في مقابلة ما أشير إليه من المقهورية والعجز ، والمعنى أمتعددون سميتموهم أرباباً عجز مقهورون متأثرون من غيرهم خير أم الله أي صاحب هذا الاسم الجليل الواحد الذي يستحيل عليه التكثر بوجه من الوجوه القهار الذي لا موجود إلا وهو مسخر تحت قهره وقدرته عاجز في قبضته . وقيل : المراد من { متفرقون } مختلفو الأجناس والطبائع كالملك والجن والجماد مثلاً ، ويجوز أن يراد منه من لا ارتباط بينهم ولا اتفاق ، وكثيراً ما يكنى بذلك عن العجز واختلال الحال ، وقد استنبط الإمام من الآية غير ما حجة على بطلان عبادة الأصنام ، وظاهر كلامه أنه لم يعتبرها مثلاً فليتأمل .

( ومن باب الإشارة { ياصاحبى السجن ءآرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار } [ يوسف : 39 ] دعاء إلى التوحيد على أتم وجه ، وحكي أن رجلاً قال للفضيل : عظني فقرأ له هذه الآية { وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذكرنى عِندَ رَبّكَ } [ يوسف : 42 ] كان ذلك على ما قيل غفلة منه عليه السلام عما يقتضيه مقامه ويشير إليه كلامه ، ولهذا أدبه ربه باللبث في السجن ليبلغ أقصى درجات الكمال والأنبياء مؤاخذون بمثاقيل الذر لمكانتهم عند ربهم ، وقد يحمل كلامه هذا على ما لا يوجب العتاب كما ذهب إليه بعض ذوي الألباب .


[379]:- والحق أنها للنداء مطلقا بعيدا كان المنادى أو قريبا اهـ منه.