ثم قال : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان } وفيه سؤال : وهو أنه تعالى قال فيما قبل هذه الآية : { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } وذلك يدل على وجود هذه المسميات . ثم قال عقيب تلك الآية : { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } وهذا يدل على أن المسمى غير حاصل وبينهما تناقض .
الجواب : أن الذات موجودة حاصلة إلا أن المسمى بالإله غير حاصل . وبيانه من وجهين : الأول : أن ذوات الأصنام وإن كانت موجودة إلا أنها غير موصوفة بصفات الإلهية ، وإذا كان كذلك كان الشيء الذي هو مسمى بالإله في الحقيقة غير موجود ولا حاصل . الثاني : يروى أن عبدة الأوثان مشبهة فاعتقدوا أن الإله هو النور الأعظم وأن الملائكة أنوار صغيرة ووضعوا على صورة تلك الأنوار هذه الأوثان ومعبودهم في الحقيقة هو تلك الأنوار السماوية ، وهذا قول المشبهة فإنهم تصوروا جسما كبيرا مستقرا على العرش ويعبدونه وهذا المتخيل غير موجود البتة فصح أنهم لا يعبدون إلا مجرد الأسماء .
واعلم أن جماعة ممن يعبدون الأصنام قالوا نحن لا نقول : إن هذه الأصنام آلهة للعالم بمعنى أنها هي التي خلقت العالم إلا أنا نطلق عليها اسم الإله ونعبدها ونعظمها لاعتقادنا أن الله أمرنا بذلك ، فأجاب الله تعالى عنه ، فقال أما تسميتها بالآلهة فما أمر الله تعالى بذلك وما أنزل في حصول هذه التسمية حجة ولا برهانا ولا دليلا ولا سلطانا ، وليس لغير الله حكم واجب القبول ولا أمر واجب الالتزام بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلا له ، ثم إنه أمر أن ألا تعبدوا إلا إياه ، وذلك لأن العبادة نهاية التعظيم والإجلال فلا تليق إلا بمن حصل منه نهاية الإنعام وهو الإله تعالى لأن منه الخلق والإحياء والعقل والرزق والهداية ، ونعم الله كثيرة وجهات إحسانه إلى الخلق غير متناهية ثم إنه تعالى لما بين هذه الأشياء ، قال { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } وتفسيره أن أكثر الخلق يسندون حدوث الحوادث الأرضية إلى الاتصالات الفلكية والمناسبات الكوكبية لأجل أنه تقرر في العقول أن الحادث لا بد له من سبب فإذا رأوا أن تغير أحوال هذا العالم في الحر والبرد والفصول الأربعة ، إنما يحصل عند تغير أحوال الشمس في أرباع الفلك ربطوا الفصول الأربعة بحركة الشمس ، ثم لما شاهدوا أن أحوال النبات والحيوان مختلفة بحسب اختلاف الفصول الأربعة ربطوا حدوث النبات وتغير أحوال الحيوان باختلاف الفصول الأربعة ، فبهذا الطريق غلب على طباع أكثر الخلق أن المدبر لحدوث الحوادث في هذا العالم هو الشمس والقمر وسائر الكواكب ، ثم إنه تعالى إذا وفق إنسانا حتى ترقى من هذه الدرجة وعرف أنها في ذواتها وصفاتها مفتقرة إلى موجد ومبدع قاهر قادر عليم حكيم ، فذلك الشخص يكون في غاية الندرة ، فلهذا قال : { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } .
ثم إنه عليه السلام زاد في الإرشاد ببيان سقوط آلهتهما عن درجة الاعتبار رأساً فضلاً عن الألوهية ، وأخرج ذلك على أتم وجه فقال معمماً للخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر كما هو الظاهر ، وقيل : مطلقاً ، وقيل : من معهما من أهل السجن :
{ مَا تَعْبُدُونَ من دُونه } أي من دون الله تعالى شيئاً { إلا أَسْمَاءَ } أي ألفاظاً فارغة لا مطابق لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداق إطلاق الاسم عليه لا وجود له أصلاً فكانت عبادتهم لتلك الألفاظ فقط { سَمَّيْتُمُوهَا } جعلوها أسماء { أَنتُمْ وءَابَاؤُكُمْ } بمحض الجهل والضلالة { مَا أَنْزَلَ اللهُ بهَا } أي بتلك التسمية / المستتبعة للعبادة { من سُلْطَان } أي حجة تدل على صحتها ، قيل : كانوا يطلقون على معبوداتهم الباطلة اسم الآلهة ويزعمون الدليل على ذلك فردوا بأنكم سميتم ما لم
يدل على استحقاقه هذا الاسم عقل ولا نقل ثم أخذتم تعبدون ذلك باعتبار ما تطلقونه عليه ، وإنما لم يذكر المسميات تربية لما يقتضيه المقام من إسقاطها عن مرتبة الوجود وإيذاناً بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود ، ويلحق بهؤلاء الذين يزعمون أنهم يعبدون الله تعالى وهم يتخيلونه سبحانه جسماً عظيماً جالساً فوق العرش أو نحو ذلك مما ينزهه العقل والنقل عنه تعالى - تعالى الله عما يقول الظالمون - علواً كبيراً لأن ما وضع له الاسم الجليل في نفس الأمر ليس هو الذي تخيلوه بل هو أمر وراء ذلك وهو المستحق للعبادة وما وضعوه هم له ليس بإله في نفس الأمر ولا مستحق للعبادة وهو الذي عبدوه فما عبدوا في الحقيقة إلا اسماً لا مطابق له في الخارج لأن ما في الخارج أمر وما وضعوا الاسم له أمر آخر .
{ إن الْحُكْمُ } أي ما الحكم في شأن العبادة المتفرعة على تلك التسمية وفي صحتها { إلاَّ لله } عزَّ سلطانه لأنه المستحق لها بالذات إذ هو الواجب بالذات الموجد للكل والمالك لأمره { أَمَرَ ألاَّ تَعْبُدُوا } أي بأن لا تعبدوا أحداً { إلاَّ إيَّاهُ } حسبما يقتضي به قضية العقل أيضاً . والجملة استئناف مبني على سؤال ناشئ من الجملة السابقة كأنه قيل : فماذا حكم الله سبحانه في هذا الشأن ؟ فقيل : أمر الخ ، وقيل : في موضع التعليل لمحذوف كأنه قيل : حيث لم يكن الحكم في أمر العبادة إلا له فلا تكون العبادة إلا له سبحانه أو لمن يأمر بعبادته وهو لا يأمر بذلك ولا يجعله لغيره لأنه سبحانه أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ، وهو خلاف الظاهر . وجوز أن يكون سرد هذه الجمل على هذا الطرز لسدّ الطرق في توجيه صحة عبادة الأصنام عليهم أحكم سدّ فإنهم إن قالوا : إن الله تعالى قد أنزل حجة في ذلك ردوا بقوله : { ما أنزل الله بها من سلطان } وإن قالوا : حكم لنا بذلك كبراؤنا ردوا بقوله : { إن الحكم إلا لله } وإن قالوا : حيث لم ينزل حجة في ذلك ولم يكن حكم لغيره بقي الأمر موقوفاً إذ عدم إنزال حجة تدل على الصحة لا يستلزم إنزال حجة على البطلان ردوا بقوله : { أمر ألاَّ تعبدوا إلا إياه } .
{ ذلك } أي تخصيصه تعالى بالعبادة { الدِّينُ الْقَيِّمُ } الثابت الذي دلت عليه البراهين العقلية والنقلية { وَلكنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك هو الدين القيم لجهلهم تلك البراهين أو لا يعلمون شيئاً أصلاً فيعبدون أسماء سموها من عند أنفسهم معرضين عما يقتضيه العقل ويسوق إليه سائق النقل ، ومنشأ هذا الإعراض الوقوف عند المألوفات والتقيد بالحسيات وهو مركوز في أكثر الطباع ومن ذلك جاء التشبيه والتجسيم ونسبة الحوادث الكونية إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب ونحو ذلك .
ثم إنه عليه السلام بعد تحقيق الحق وبيانه لهما مقدار علمه الواسع شرع في إنبائهما عما استنبآه عنه ، ولكونه بحثاً مغايراً لما سبق فصله عنه بتكرير الخطاب فقال :
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.