مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ} (4)

قوله تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون } .

اعلم أنه تعالى لما بين ما للمؤمنين من البشرى أتبعه بما على الكفار من سوء العذاب فقال : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم } ، واختلف الناس في أنه كيف أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته مع أنه أسنده إلى الشيطان في قوله : { فزين لهم الشيطان أعمالهم } ؟ فأما أصحابنا فقد أجروا الآية على ظاهرها وذلك لأن الإنسان لا يفعل شيئا البتة إلا إذا دعاه الداعي إلى الفعل والمعقول من الداعي هو العلم والاعتقاد والظن بكون الفعل مشتملا على منفعة ، وهذا الداعي لابد وأن يكون من فعل الله تعالى لوجهين : الأول : أنه لو كان من فعل العبد لافتقر فيه إلى داع آخر ويلزم التسلسل وهو محال . الثاني : وهو أن العلم إما أن يكون ضروريا أو كسبيا ، فإن كان ضروريا فلابد فيه من تصورين والتصور يمتنع أن يكون مكتسبا لأن المكتسب إن كان شاعرا به فهو متصور له ، وتحصيل الحاصل محال وإن لم يكن شاعرا به كان غافلا عنه والغافل عن الشيء يمتنع أن يكون طالبا له ، فإن قلت هو مشعور به من وجه دون وجه ، قلت فالمشعور به غير ما هو غير مشعور به ، فيعود التقسيم المتقدم في كل واحد من هذين الوجهين ، وإذا ثبت أن التصور غير مكتسب البتة والعلم الضروري هو الذي يكون حضور كل واحد من تصوريه كافيا في حصول التصديق ، فالتصورات غير كسبية وهي مستلزمة للتصديقات ، فإذن متى حصلت التصورات حصل التصديق لا محالة ، ومتى لم تحصل لم يحصل التصديق البتة ، فحصول هذه التصديقات البديهية ليس بالكسب ، ثم إن التصديقات البديهية إن كانت مستلزمة للتصديقات النظرية لم تكن التصديقات النظرية كسبية ، لأن لازم الضروري ضروري ، وإن لم تكن مستلزمة لها لم تكن تلك الأشياء التي فرضناها علوما نظرية كذلك بل هي اعتقادات تقليدية ، لأنه لا معنى لاعتقاد المقلد إلا اعتقاد تحسيني يفعله ابتداء من غير أن يكون له موجب فثبت بهذا أن العلوم بأسرها ضرورية ، وثبت أن مبادئ الأفعال هي العلوم فأفعال العباد بأسرها ضرورية ، والإنسان مضطر في صورة مختار ، فثبت أن الله تعالى هو الذي زين لكل عامل عمله . والمراد من التزيين هو أنه يخلق في قلبه العلم بما فيه من المنافع واللذات ولا يخلق في قلبه العلم بما فيه من المضار والآفات ، فقد ثبت بهذه الدلائل القاطعة العقلية وجوب إجراء هذه الآية على ظاهرها ، أما المعتزلة فإنهم ذكروا في تأويلها وجوها . أحدها : أن المراد بينا لهم أمر الدين وما يلزمهم أن يتمسكوا به وزيناه بأن بينا حسنه وما لهم فيه من الثواب ، لأن التزيين من الله تعالى للعمل ليس إلا وصفه بأنه حسن وواجب وحميد العاقبة ، وهو المراد من قوله : { حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } ومعنى { فهم يعمهون } يدل على ذلك لأن المراد فهم يعدلون وينحرفون عما زينا من أعمالهم . وثانيها : أنه تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق جعلوا إنعام الله تعالى بذلك عليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وعدم الانقياد لما يلزمهم من التكاليف ، فكأنه تعالى زين بذلك أعمالهم ، وإليه إشارة الملائكة عليهم السلام في قولهم : { ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر } . وثالثها : أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه والجواب : عن الأول أن قوله تعالى : { أعمالهم } صيغة عموم توجب أن يكون الله تعالى قد زين لهم كل أعمالهم حسنا كان العمل أو قبيحا ومعنى التزيين قد قدمناه ، وعن الثاني أن الله تعالى لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق فهل لهذه الأمور أثر في ترجيح فاعلية المعصية على تركها أوليس لها فيه أثر ، فإن كان الأول فقد دللنا على أن الترجيح متى حصل فلابد وأن ينتهي إلى حد الاستلزام وحينئذ يحصل الغرض وإن لم يكن فيه أثر صارت هذه الأشياء بالنسبة إلى أعمالهم كصرير الباب ونعيق الغراب ، وذلك يمنع من إسناد فعلهم إليها وهذا بعينه هو الجواب عن التأويل الثالث الذي ذكروه والله أعلم .

أما قوله تعالى : { فهم يعمهون } فالعمه التحير والتردد كما يكون حال الضال عن الطريق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ} (4)

{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } بيان لأحوال الكفرة بعد أحوال المؤمنين أي لا يؤمنون بها وبما فيها من الثواب على الأعمال الصالحة والعقاب على الأعمال السيئة حسبما ينطق به القرآن { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } القبيحة بما ركبنا فيهم من الشهوات والأماني حتى رأوها حسنة { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } يتحيرون ويترددون والاستمرار في الاشتغال بها والانهماك فيها من غير ملاحظة لما يتبعها . والفاء لترتيب المسبب على السبب . ونسبة التزيين إليه عز وجل عند الجماعة حقيقة وكذا التزيين نفسه ، وذهب الزمخشري إلى أن التزيين إما مستعار للتمتيع بطول العمر وسعة الرزق وإما حقيقة وإسناده إليه سبحانه وتعالى مجاز وهو حقيقة للشيطان كما في قوله تعالى : { زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } [ الأنفال : 48 ] .

والمصحح لهذا المجاز إمهاله تعالى الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ، والداعي له إلى أحد الأمرين إيجاب رعاية الأصلح عليه عز وجل . ونسب إلى الحسن أن المراد بالأعمال الأعمال الحسنة وتزيينها بيان حسنها في أنفسها حالاً واستتباعها لفنون المنافع مآلاً أي زينا لهم الأعمال الحسنة فهم يترددون في الضلال والإعراض عنها .

والفاء عليه لترتيب ضد المسبب على السبب كما في قولك : وعظته فلم يتعظ ، وفيه إيذان بكمال عتوهم ومكابرتهم وتعكيسهم الأمور ، وتعقب هذا القول بأن التزيين قد ورد غالباً في غير الخير نحو قوله تعالى : { زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } [ آل عمران : 14 ] { زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } [ البقرة : 212 ] { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين } [ الأنعام : 137 ] الخ ووروده في الخير قليل نحو قوله تعالى : { حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ } [ الحجرات : 7 ] ويبعد حمل الأعمال على الأعمال الحسنة إضافتها إلى ضميرهم وهم لم يعملوا حسنة أصلاً . وكون إضافتها إلى ذلك باعتبار أمرهم بها ، وإيجابها عليهم لا يدفع البعد .

وذكر الطيبي أنه يؤيد ما ذكر أولاً أن وزان فاتحة هذه السورة إلى ههنا وزان فاتحة البقرة فقوله تعالى : { إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } كقوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] وقوله سبحانه : { زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } [ النمل : 4 ] كقوله جل وعلا : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } ( البقرة ؛ 7 ) .

وقد سبق بيان وجه دلالة ذلك على مذهب الجماعة هناك وأن التركيب من باب تحقيق الخبر وأن المعنى استمرارهم على الكفر وأنهم بحيث لا يتوقع منهم الإيمان ساعة فساعة أمارة لرقم الشقاء عليهم في الأزل والختم على قلوبهم وأنه تعالى زين لهم سوء أعمالهم فهم لذلك في تيه الضلال يترددون وفي بيداء الكفر يعمهون ، ودل على هذا التأويل إيقاع لفظ المضارع في صلة الموصول والماضي في خبره وترتيب قوله تعالى : { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } بالفاء عليه ، واختصاص الخطاب بما يدل على الكبرياء والجبروت من باب تحقيق الخبر نحو قول الشاعر :

إن التي ضربت بيتاً مهاجرة *** بكوفة الجند غالت ودها غول

وفي الأخبار الصحيحة ما ينصر هذا التأويل أيضاً .