مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ} (20)

النوع الثاني : من الأشياء التي وعدها الله هؤلاء الذين اجتنبوا وأنابوا قوله تعالى : { لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية } وهذا كالمقابل لما ذكر في وصف الكفار { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } فإن قيل ما معنى قوله { مبنية } ؟ قلنا لأن المنزل إذا بنى على منزل آخر تحته كان الفوقاني أضعف بناء من التحتاني فقوله : { مبنية } معناه أنه وإن كان فوق غيره لكنه في القوة والشدة مساو للمنزل الأسفل ، والحاصل أن المنزل الفوقاني والتحتاني حصل في كل واحد منهما فضيلة ومنقصة ، أما الفوقاني ففضيلته العلو والارتفاع ونقصانه الرخاوة والسخافة ، وأما التحتاني فبالضد منه ، أما منازل الجنة فإنها تكون مستجمعة لكل الفضائل وهي عالية مرتفعة وتكون في غاية القوة والشدة ، وقال حكماء الإسلام هذه الغرف المبنية بعضها فوق البعض ، مثاله من الأحوال النفسانية العلوم الكسبية فإن بعضها يكون مبنيا على البعض والنتائج الآخرة التي هي عبارة عن معرفة ذات الله وصفاته تكون في غاية القوة بل تكون في القوة والشدة كالعلوم الأصلية البديهية .

ثم قال : { تجرى من تحتها الأنهار } وذلك معلوم ، ثم ختم الكلام فقال : { وعد الله لا يخلف الله الميعاد } فقوله : { وعد الله } مصدر مؤكد لأن قوله { لهم غرف } في معنى وعدهم الله ذلك وفي الآية دقيقة شريفة ، وهي أنه تعالى في كثير من آيات الوعد صرح بأن هذا وعد الله وأنه لا يخلف وعده ولم يذكر في آيات الوعيد البتة مثل هذا التأكيد والتقوية ، وذلك يدل على أن جانب الوعد أرجح من جانب الوعيد بخلاف ما يقوله المعتزلة ، فإن قالوا أليس أنه قال في جانب الوعيد { ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد } قلنا قوله ما يبدل القول لدي ليس تصريحا بجانب الوعيد بل هو كلام عام يتناول القسمين أعني الوعد والوعيد ، فثبت أن الترجيح الذي ذكرناه حق ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ} (20)

{ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } استدراك بين ما يشبه النقيضين والضدين وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما ، والمراد بالذين اتقوا الموصوفون بما عدد من الصفات الفاضلة ، والغرف جمع غرفة وهي العلية أي لهم علالي كثيرة جليلة بعضها فوق بعض { مَّبْنِيَّةٌ } قيل : هو كالتمهيد لقوله تعالى : { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أي من تحت تلك الغرف الفوقانيات والتحتانيات { الانهار } أي مبنية بناءاً يتأتى معه جري الأنهار من تحتها وذلك على خلاف علالي الدنيا فيفيد الوصف بذلك أنها سويت تسوية البناء على الأرض وجعلت سطحاً واحداً يتأتى معه جري الأنهار عليه على أن مياه الجنة لما كانت منحدرة من بطنان العرش على ما في الحديث فهي أعلى من الغرف فلا عجب من جري الماء عليها فوقاً وتحتاً لكن لا بد من وضع يتأتى معه الجري فالوصف المذكور لإفادة ذلك .

وقال بعض الأجلة : الظاهر أن هذا الوصف تحقيق للحقيقة وبيان أن الغرف ليست كالظلل حيث أريد بها المعنى المجازي على الاستعارة التهكمية ، وقال بعض فضلاء إخواننا المعاصرين : فائدة التوصيف بما ذكر الإشارة إلى رفعة شأن الغرف حيث آذن أن الله تعالى بانيها وماذا عسى يقال في بناء بناه الله جل وعلا .

وأقول والله تعالى أعلم : وصفت الغرف بذلك للإشارة إلى أنها مهيأة معدة لهم قد فرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف لا أنها تبنى يوم القيامة لهم ، وفي ذلك من تعظيم شأن المتقين ما فيه ، وفي الآية على هذا رد على المعتزلة وكأن الزمخشري لذلك لم يحم حول هذا الوجه واقتصر على ما حكيناه أولاً مع أن ما قلناه أقرب منه فليحفظ .

{ وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله فإنه وعد أي وعد { لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد } لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز وجل .

ومن باب الإشارة : { لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } [ الزمر : 20 ] قيل الغرف المبنية بعضها فوق بعض إشارة إلى العلوم المكتسبة المبنية على النظريات وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية