قوله تعالى : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ، الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ، أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ، كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ، ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ، قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بالغ في تقرير البيانات الدالة على وجوب الإقبال على طاعة الله تعالى ووجوب الإعراض عن الدنيا بين بعد ذلك أن الانتفاع بهذه البيانات لا يكمل إلا إذا شرح الله الصدور ونور القلوب فقال : { أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } .
واعلم أنا بالغنا في سورة الأنعام في تفسير قوله : { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } في تفسير شرح الصدر وفي تفسير الهداية ، ولا بأس بإعادة كلام قليل ههنا ، فنقول إنه تعالى خلق جواهر النفوس مختلفة بالماهية فبعضها خيرة نورانية شريفة مائلة إلى الإلهيات عظيمة الرغبة في الاتصال بالروحانيات ، وبعضها نذلة كدرة خسيسة مائلة إلى الجسمانيات وفي هذا التفاوت أمر حاصل في جواهر النفوس البشرية ، والاستقراء يدل على أن الأمر كذلك ، إذا عرفت هذا فنقول المراد بشرح الصدر هو ذلك الاستعداد الشديد الموجود في فطرة النفس ، وإذا كان ذلك الاستعداد الشديد حاصلا كفى خروج تلك الحالة من القوة إلى الفعل بأدنى سبب ، مثل الكبريت الذي يشتعل بأدنى نار ، أما إذا كانت النفس بعيدة عن قبول هذه الجلايا القدسية والأحوال الروحانية ، بل كانت مستغرقة في طلب الجسمانيات قليلة التأثر عن الأحوال المناسبة للإلهيات فكانت قاسية كدرة ظلمانية ، وكلما كان إيراد الدلائل اليقينية والبراهين الباهرة عليها أكثر كانت قسوتها وظلمتها أقل . إذا عرفت هذه القاعدة فنقول . أما شرح الصدر فهو ما ذكرناه ، وأما النور فهو عبارة عن الهداية والمعرفة ، وما لم يحصل شرح الصدر أولا لم يحصل النور ثانيا ، وإذا كان الحاصل هو القوة النفسانية لم يحصل الانتفاع البتة بسماع الدلائل ، وربما صار سماع الدلائل سببا لزيادة القسوة ولشدة النفرة فهذه أصول يقينية يجب أن تكون معلومة عند الإنسان حتى يمكنه الوقوف على معاني هذه الآيات ، أما استدلال أصحابنا في مسألة الجبر والقدر وكلام الخصوم عليه فقد تقدم هناك ، والله أعلم .
المسألة الثانية : من محذوف الخبر كما في قوله : { أمن هو قانت } والتقدير : أفمن شرح الله صدره للإسلام فاهتدى كمن طبع على قلبه فلم يهتد لقسوته ، والجواب متروك لأن الكلام المذكور دل عليه وهو قوله تعالى : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } .
المسألة الثالثة : قوله : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله } فيه سؤال ، وهو أن ذكر الله سبب لحصول النور والهداية وزيادة الاطمئنان كما قال : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } فكيف جعله في هذه الآية سببا لحصول قسوة القلب ، والجواب أن نقول إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن مناسبة الروحانيات شديدة الميل إلى الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة ، فإن سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورة ، وتقرير هذا الكلام بالأمثلة فإن الفاعل الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف القوابل كنور الشمس يسود وجه القصار ويبيض ثوبه ، وحرارة الشمس تلين الشمع وتعقد الملح ، وقد نرى إنسانا واحدا يذكر كلاما واحدا في مجلس واحد فيستطيبه واحد ويستكرهه غيره ، وما ذاك إلا ما ذكرناه من اختلاف جواهر النفوس ، ومن اختلاف أحوال تلك النفوس ، ولما نزل قوله تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } وكان قد حضر هناك عمر بن الخطاب وإنسان آخر فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى { ثم أنشأناه خلقا آخر } قال كل واحد منهم
{ فتبارك الله أحسن الخالقين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اكتب فهكذا أنزلت » فازداد عمر إيمانا على إيمان وازداد ذلك الإنسان كفرا على كفر ، إذا عرفت هذا لم يبعد أيضا أن يكون ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية ، ويوجب القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيثة الشيطانية ، إذا عرفت هذا فنقول إن رأس الأدوية التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر الله تعالى ، فإذا اتفق لبعض النفوس أن صار ذكر الله تعالى سببا لازدياد مرضها كان مرض تلك النفس مرضا لا يرجى زواله ولا يتوقع علاجه وكانت في نهاية الشر والرداءة ، فلهذا المعنى قال تعالى : { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين } وهذا كلام كامل محقق ، ولما بين تعالى ذلك أردفه بما يدل على أن القرآن سبب لحصول النور والشفاء والهداية وزيادة الاطمئنان ، والمقصود منه بيان أن القرآن لما كان موصوفا بهذه الصفات ، ثم إنه في حق ذلك الإنسان صار سببا لمزيد القسوة دل ذلك على أن جوهر تلك النفس قد بلغ في الرداءة والخساسة إلى أقصى الغايات ، فنقول إنه تعالى وصف القرآن بأنواع من صفات الكمال .
{ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولى الألباب ، والشرح في الأصل البسط والمد للحم ونحوه ويكنى به عن التوسيع ، وتجوز به هنا عن خلق النفس الناطقة مستعدة استعداداً تاماً للقبول بجامع عدم التأبي عن القبول وسهولة الحصول وذلك بعد التجوز في الصدر ، وإرادة النفس الناطقة منه من حيث أنه محل للقلب وفي تجويفه بخار لطيف يتكون من صفوة الأغذية وبه تتعلق النفس أولاً وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير والتصريف ، وتلك النفس هي التي تتصف بالإسلام والإيمان ، وجعل بعض الأجلة شرح الله صدره استعارة تمثيلية ، والهمزة للإنكار دالة على محذوف على أحد القولين المارين آنفاً ، والفاء للعطف على ذلك المحذوف ، وخبر من محذوف لدلالة ما بعده عليه والتقدير أكل الناس سواء فمن شرح الله تعالى صدره وخلقه مستعداً للإسلام فبقي على الفطرة الأصلية ولم تتغير بالعوارض المكتسبة القادحة فيها { فَهُوَ } بموجب ذلك مستقر { على نُورٍ } عظيم { مّن رَّبّهِ } وهو اللطف الإلهي المشرق عليه من بروج الرحمة عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للاهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره بتبديل فطرة الله تعالى بسوء اختياره واستولى عليه ظلمات الغي والضلال فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها ، وعدل عن فعنده أو فله نور إلى ما في النظم الجليل للدلالة على استمرار ذلك واستقراره في النور وهو مستعار للطف والتوفيق للاهتداء ، وقد يقال : أمر إليه غير اللطف والتوفيق يدرك به الحق ؛ وجاء برواية الثعلبي في «تفسيره » . والحاكم في «مستدركه » . والبيهقي في «شعب الإيمان » . وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ } الخ فقلنا : يا رسول الله كيف انشراح الصدر ؟ قال : إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح قلنا . فما علامة ذلك يا رسول الله ؟ فقال : الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله . واستشكل ذلك بأن ظاهر الآية ترتب دخول النور على ألا نشرح ، لأنه الاستعداد لقبوله وما في الحديث الشريف عكسه والظاهر أن السؤال عما في الآية وأن الجواب بيان لكيفيته . وأجيب بأن الاهتداء له مراتب بعضها مقدم وبعضها مؤخر وانشراح الصدر بحسب الفطرة والخلق وبحسب ما يطرأ عليه بعد فيض الألطاف عليه وبينهما تلازم ، والمراد بانشراح الصدر في الحديث ما يكون بعد المكن فيه ، وفي الآية ما تقدم وقس عليه النور ، والجواب من قبيل الأسلوب الحكيم فتأمل .
{ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله } أي من أجل ذكره سبحانه الذي حقه أن تلين منه القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو آياته عز وجل اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة .
وقرئ { عَن ذِكْرِ الله } والمتواترة أبلغ لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبياً من قبوله من القاسي عنه بسبب آخر ، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر لأن توسعته وجعله محلاً للإسلام دون القلب الذي فيه يدل على شدته وإفراط كثرته التي فاضت حتى ملأت الصدر فضلاً عن القلب ، وإسناده إلى الله تعالى الظاهر في أنه على أتم الوجوه لأنه فعل قادر حكيم وقابله بالقساوة مع أن مقتضى المقابلة أن يعبر بالضيق لأن القساوة كما في الصخرة الصماء تقتضي عدم قبول شيء بخلال الضيق فإنه مشعر بقبول شيء قليل ، وعدل عن التعبير بما يفيد مجعولية القساوة له تعالى وخلقه إياها للإشارة إلى غاية لزومها لهم حتى كأنها لو لم تجعل لتحققت فيهم بمقتضى دواتهم ، وإما إسنادها إلى القلوب دون الصدور فللتنصيص على فساد هذا العضو الذي إذا فسد فسد الجسد كله ، واعتبر الجمع في هؤلاء الكفرة والإفراد في أولئك المؤمنين حيث قال سبحانه : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ } دون أفمن شرح الله صدورهم للإشارة إلى أن المؤمنين وأن تعددوا كرجل واحد ولا كذلك الكفار .
{ أولئك } البعداء المتصفون بما ذكر من قساوة القلوب { فِى ضلال مُّبِينٍ } ظاهر كونه ضلالاً لكل أحد .
والآية نزلت في علي . وحمزة رضي الله تعالى عنه ممن شرح الله تعالى صدره للإسلام وأبو لهب . وابنه من القاسية قلوبهم .
ومن باب الإشارة : { أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } للانقياد إليه سبحانه { فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ } [ الزمر : 22 ] يستضيء به في طلبه سبحانه ، ومن علامات هذا النور محو ظلمات الصفات الذميمة النفسانية والتحلية بالأخلاق الكريمة القدسية .