مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ} (19)

قوله تعالى : { لا يصدعون عنها ولا ينزفون } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : { لا يصدعون } فيه وجهان ( أحدهما ) لا يصيبهم منها صداع يقال : صدعني فلان أي أورثني الصداع ( والثاني ) لا ينزفون عنها ولا ينفدونها من الصدع ، والظاهر أن أصل الصداع منه ، وذلك لأن الألم الذي في الرأس يكون في أكثر الأمر بخلط وريح في أغشية الدماغ فيؤلمه فيكون الذي به صداع كأنه يتطرف في غشاء دماغه .

المسألة الثانية : إن كان المراد نفي الصداع فكيف يحسن عنها مع أن المستعمل في السبب كلمة من ، فيقال : مرض من كذا وفي المفارقة يقال : عن ، فيقال : برئ عن المرض ؟ نقول : الجواب هو أن السبب الذي يثبت أمرا في شيء كأنه ينفصل عنه شيء ويثبت في مكانه فعله ، فهناك أمران ونظران إذا نظرت إلى المحل ورأيت فيه شيئا تقول : هذا من ماذا ، أي ابتداء وجوده من أي شيء فيقع نظرك على السبب فتقول : هذا من هذا أي ابتداء وجوده منه ، وإذا نظرت إلى جانب المسبب ترى الأمر الذي صدر عنه كأنه فارقه والتصق بالمحل ، ولهذا لا يمكن أن يوجد ذلك مرة أخرى ، والسبب كأنه كان فيه وانتقل عنه في أكثر الأمر فهاهنا يكون الأمران من الأجسام والأمور التي لها قرب وبعد ، إذا علم هذا فنقول : المراد هاهنا بيان خمر الآخرة في نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم لما كان مدحا لها ، وأما إذا قال : هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحا لها فلما وقع النظر عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلا بكثرة الشرب وقوته عليه ، فإنك تقول : في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولا ينزفون } تقدم تفسيره في الصافات والذي يحسن ذكره هنا أن نقول : إن كان معنى { لا ينزفون } لا يسكرون ، فنقول : إما أن نقول معنى : ( لا يصدعون ) أنهم لا يصيبهم الصداع ، وإما أنهم لا يفقدون ، فإن قلنا : بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على طريقة الارتقاء ، فإن قوله تعالى : { لا يصدعون } معناه لا يصيبهم الصداع لكن هذا لا ينفي السكر فقال : بعده ولا يورث السكر ، كقول القائل : ليس فيه مفسدة كثيرة ، ثم يقول : ولا قليلة ، تتميما للبيان ، ولو عكست الترتيب لا يكون حسنا ، وإن قلنا : { لا ينزفون } لا يفقدون فالترتيب أيضا كذلك لأن قولنا : ( لا يصدعون ) أي لا يفقدونه ومع كثرته ودوام شربه لا يسكرون فإن عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب عجيب وإن قلنا : ( لا ينزفون ) بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك . فنقول : أيضا إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله : { لا يصدعون } لا يكون بيان أمر عجيب إن كان شرابهم قليلا فقال : { لا يصدعون عنها } مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ينزفون الشراب ، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب ، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ} (19)

{ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } أي بسببها وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها ، والمراد أنهم لا يلحق رؤوسهم صداع لأجل خمار يحصل منها كما في خمور الدنيا ، وقيل : لا يفرقون عنها بمعنى لا تقطع عنهم لذتهم بسبب من الأسباب كما تفرق أهل خمر الدنيا بأنواع من التفريق .

وقرأ مجاهد ( لا يصدعون ) ، بفتح الياء وشد الصاد على أن أصله يتصدعون فأدغم التاء في الصاد أي لا يتفرقون كقوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } [ الروم : 43 ] ، وقرئ { لاَّ يُصَدَّعُونَ } بفتح الياء والتخفيف أي لا يصدع بعضهم بعضاً ولا يفرقونهم أي لا يجلس داخل منهم بين اثنين فيفرق بين المتقاربين فإنه سوء الأدب وليس من حسن العشرة { عَنْهَا يُنزَفُونَ } قال مجاهد . وقتادة . والضحاك : لا تذهب عقولهم بسكرها من نزف الشارب كعنى إذا ذهب عقله ، ويقال للسكران نزيف ومنزوف ، قيل : وهو من نزف الماء نزحه من البئر شيئاً فشيئاً فكان الكلام على تقدير مضاف .

وقرأ ابن أبي اسحق . وعبد الله . والسلمي . والجحدري . والأعمش وطلحة . وعيسى . وعاصم كما أخرج عنه عبد بن حميد { وَلاَ يُنزِفُونَ } بضم الياء وكسر الزاي من أنزف الشارب إذا ذهب عقله أو شرابه ، ومعناه صار ذا نزف ؛ ونظيره أقشع السراب وقشعته الريح وحقيقته دخل في القسع ، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً { وَلاَ يُنزِفُونَ } بفتح الياء وكسر الزاي قال : في المجمع وهو محمول على أنه لا يفنى خمرهم ، والتناسب بين الجملتين على ما سمعت فيهما أولا على قراءة الجمهور أن الأولى لبيان نفي الضرر عن الأجسام ، والثانية لبيان نفي الضرر عن العقول وتأمل لتعرفه إن شاء الله تعالى على ما عدا ذلك .