مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ} (77)

أما قوله تعالى : { فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } .

ففيه مسألتان :

المسألة الأولى : يقال : بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع ، وبزغت الشمس إذا بدأ منها طلوع . ونجوم بوازغ . قال الأزهري : كأنه مأخوذ في البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ، ومعنى الآية أنه اعتبر في القمر مثل ما اعتبر في الكوكب .

المسألة الثانية : دل قوله : { لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } على أن الهداية ليست إلا من الله تعالى . ولا يمكن حمل لفظ الهداية على التمكن وإزاحة الأعذار ونصب الدلائل . لأن كل ذلك كان حاصلا ، فالهداية التي كان يطلبها بعد حصول تلك الأشياء لا بد وأن تكون زائدة عليها .

واعلم أن كون إبراهيم عليه السلام على مذهبنا أظهر من أن يشتبه على العاقل لأنه في هذه الآية أضاف الهداية إلى الله تعالى ، وكذا في قوله : { الذي خلقني فهو يهدين } وكذا في قوله : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ} (77)

{ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً } أي مبتدأ في الطلوع منتشر الضوء ، ولعله كما قال الأزهري مأخوذ من البزغ وهو الشق كأنه بنوره يشق الظلمة شقا ويقال . بزغ الناب إذا ظهر وبزغ البيطار الدابة إذا أسال دمها . ويقال : بزغ الدم أي سال ، وعلى هذا فيمكن أن يكون بزوغ القمر مشبهاً بما ذكر وكلام الراغب صريح فيه ، وظاهر الآية أن هذه الرؤية بعد غروب الكوكب .

وقوله سبحانه : { قَالَ هذا رَبّى } جواب لما وهو على طرز الكلام السابق { فَلَمَّا أَفَلَ } كما أفل الكوكب { قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى جنابه الحق الذي لا محيد عنه { لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } فإن شيئاً مما رأيته لا يصلح للربوبية ، وهذا مبالغة منه عليه السلام في النصفة ، «وفيه كما قال الزمخشري تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلهاً وهو نظير الكواكب في الأفول فهو ضال » ، «والتعريض بضلالهم هنا كما قال ابن المنير أصرح وأقوى من قوله أولا { لا أُحِبُّ الافلين } [ الأنعام : 76 ] وإنما ترقى عليه السلام إلى ذلك لأن الخصوم قد أقامت عليهم بالاستدلال الأول حجة فأنسوا بالقدح في معتقدهم ولو قيل هذا في الأول فلعلهم كانوا ينفرون ولا يصغون إلى الاستدلال ، فما عرض لهم عليه السلام بأنهم على ضلالة إلا بعد أن وثق بإصغائهم إلى تمام المقصود واستماعهم له إلى آخره . والدليل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم ترقى في النوبة الثالثة إلى التصريح بالبراءة منهم ( والتصريح ) بأنهم على شرك حين تم قيام الحجة عليهم وتبلج الحق وبلغ من الظهور غايته2 .

وفي هذه الجملة دليل من غير وجه على أن استدلاله عليه السلام ليس لنفسه بل كان محاجة لقومه . وكذا ما سيأتي . وحمل هذا على أنه عليه الصلاة والسلام استعجز نفسه فاستعان بربه عز وجل في درك الحق وما سيأتي على أنه إشارة إلى حصول اليقين من الدليل خلاف الظاهر جداً ، على أنه قيل : إن حصول اليقين من الدليل لا ينافي المحاجة مع القوم ، ثم الظاهر على ما قال شيخ الإسلام أنه عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان في جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكوكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريباً منه وأفقه الشرقي مكشوف أولاً وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس كما ينبىء عنه قوله تعالى :

( ومن باب الإشارة فيها ) :{ فَلَمَّا رَأَى القمر } أي قمر القلب { بَازِغاً } من أفق النفس ووجد فيضه بمكاشفات الحقائق والمعارف وتربيته منه { قَالَ هذا رَبّى } وكان الله تعالى يريه إذ ذاك باسمه العالم والحكيم { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى } إلى نور وجهه { لاَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } [ الأنعام : 77 ] المحتجبين بالبواطن عنه سبحانه .