مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (80)

قوله تعالى : { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون } .

اعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم الحجة المذكورة ، فالقوم أوردوا عليه حججا على صحة أقوالهم ، منها أنهم تمسكوا بالتقليد كقولهم : { إنا وجدنا آباءنا على أمة } وكقولهم للرسول عليه السلام : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ومنها : أنهم خوفوه بأنك لما طعنت في إلهية هذه الأصنام وقعت من جهة هذه الأصنام في الآفات والبليات ، ونظيره ما حكاه الله تعالى في قصة قوم هود : { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } فذكروا هذا الجنس من الكلام مع إبراهيم عليه السلام .

فأجاب الله عن حجتهم بقوله : { قال أتحاجوني في الله وقد هدان } ، يعني لما ثبت بالدليل الموجب للهداية واليقين صحة قولي ، فكيف يلتفت إلى حجتكم العليلة ، وكلماتكم الباطلة .

وأجاب عن حجتهم الثانية وهي : أنهم خوفوه بالأصنام بقوله : { ولا أخاف ما تشركون به } لأن الخوف إنما يحصل ممن يقدر على النفع والضر ، والأصنام جمادات لا تقدر ولا قدرة لها على النفع والضر ، فكيف يحصل الخوف منها ؟

فإن قيل : لا شك أن للطلسمات آثارا مخصوصة ، فلم لا يجوز أن يحصل الخوف منها من هذه الجهة ؟

قلنا : الطلسم يرجع حاصله إلى تأثيرات الكواكب ، وقد دللنا على أن قوى الكواكب على التأثيرات إنما يحصل من خلق الله تعالى فيكون الرجاء والخوف في الحقيقة ليس إلا من الله تعالى .

وأما قوله : { إلا أن يشاء ربي } ففيه وجوه : أحدها : إلا أن أذنب فيشاء إنزال العقوبة بي . وثانيها : إلا أن يشاء أن يبتليني بمحن الدنيا فيقطع عني بعض عادات نعمه . وثالثها : إلا أن يشاء ربي فأخاف ما تشركون به بأن يحييها ويمكنها من ضري ونفعي ويقدرها على إيصال الخير والشر إلي ، واللفظ يحتمل كل هذه الوجوه ، وحاصل الأمر أنه لا يبعد أن يحدث للإنسان في مستقبل عمره شيء من المكاره ، والحمقى من الناس يحملون ذلك على أنه إنما حدث ذلك المكروه بسبب أنه طعن في إلهية الأصنام ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك حتى لو أنه حدث به شيء من المكاره لم يحمل على هذا السبب .

ثم قال عليه السلام : { وسع ربى كل شيء علما } يعني أنه علام الغيوب فلا يفعل إلا الصلاح والخير والحكمة ، فبتقدير : أن يحدث من مكاره الدنيا فذاك ، لأنه تعالى عرف وجه الصلاح والخير فيه لا لأجل أنه عقوبة على الطعن في إلهية الأصنام .

ثم قال : { أفلا تتذكرون } والمعنى : أفلا تتذكرون أن نفي الشركاء والأضداد والأنداد عن الله تعالى لا يوجب حلول العقاب ونزول العذاب ، والسعي في إثبات التوحيد والتنزيه لا يوجب استحقاق العقاب . والله أعلم .

المسألة الثانية : قرأ نافع وابن عامر { أتحاجوني } خفيفة النون على حذف أحد النونين والباقون على التشديد على الإدغام . وأما قوله : { وقد هداني } قرأ نافع وابن عامر { هداني } بإثبات الياء على الأصل والباقون بحذفها للتخفيف .

المسألة الثالثة : أن إبراهيم عليه السلام حاجهم في الله وهو قوله : { لا أحب الآفلين } والقوم أيضا حاجوه في الله ، وهو قوله تعالى خبرا عنهم : { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله } فحصل لنا من هذه الآية أن المحاجة في الله تارة تكون موجبة للمدح العظيم والثناء البالغ ، وهي المحاجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام ، وذلك المدح والثناء هو قوله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } وتارة تكون موجبة للذم وهو قوله : { قال أتحاجوني في الله } ولا فرق بين هذين البابين إلا أن المحاجة في تقرير الدين الحق توجب أعظم أنواع المدح والثناء ، والمحاجة في تقرير الدين الباطل توجب أعظم أنواع الذم والزجر .

وإذا ثبت هذا الأصل صار هذا قانونا معتبرا ، فكل موضع جاء في القرآن والأخبار يدل على تهجين أمر المحاجة والمناظرة فهو محمول على تقرير الدين الباطل ، وكل موضع جاء يدل على مدحه فهو محمول على تقرير الدين الحق والمذهب الصدق . والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} (80)

{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } أي خاصموه كما قال الربيع أو شرعوا في مغالبته في أمر التوحيد تارة بإيراد أدلة فاسدة واقعة في حضيض التقليد وأخرى بالتخويف والتهديد { قَالَ } منكراً عليهم محاجتهم له عليه السلام مع قصورهم عن تلك المرتبة وعزة المطلب وقوة الخصم ووضوح الحق { أَتُحَاجُّونّى فِى الله } أي في شأنه تعالى ووحدانيته سبحانه . وقرأ نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان بتخفيف النون ففيه حذف إحدى النونين . واختلف في أيهما المحذوفة فقيل : نون الرفع وهو مذهب سيبويه ورجح بأن الحاجة دعت إلى نون مكسورة من أجل الياء ونون الرفع لا تكسر . وبأنه جاء حذفها كما في قوله

: كل له نية في بغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقولنا

أراذ تقلوننا والنون الثانية هنا ليست وقاية بل هي من الضمير وحذف بعض الضمير لا يجوز وبأنها نائبة عن الضمة وهي قد تحذف تخفيفاً كما في قراءة أبي عمرو ( ينصركم ) و ( يشعركم ) ( ويأمركم ) . وقيل نون الوقاية وهو مذهب الأخفش ، ورجح بأنها الزائدة التي حصل بها الثقل .

وقوله تعالى : { وَقَدْ هَدَانَا } في موضع الحال من ضمير المتكلم مؤكدة للإنكار فإن كونه عليه الصلاة والسلام مهدياً من جهة الله تعالى ومؤيداً من عنده سبحانه مما يوجب الكف عن محاجته صلى الله عليه وسلم وعدم المبالاة بها والالتفات إليها إذا وقعت . قيل : والمراد وقد هدان إلى إقامة الدليل عليكم بوحدانيته عز شأنه ، وقيل : هدان إلى الحق بعد ما سلكت طريقتكم بالفرض والتقدير وتبين بطلانها تبييناً تاماً كما شاهدتموه ، وعلى القولين لا يقتضي سبق ضلال له عليه الصلاة والسلام وجهل بمعرفة ربه جل وعلا و { *هدان } يرسم كما قال الأجهوري بلا ياء .

{ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } جواب كما روى عن ابن جريج عما خوفوه عليه السلام من إصابة مكروه من جهة معبودهم الباطل كما قال لهود عليه السلام قومه { إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } [ هود : 54 ] وهذا التخويف قيل : كان على ترك عبادة ما يعبدونه ، وقيل : بل على الاستخفاف به واحتقاره بنحو الكسر والتنقيص . قيل : ولعل ذلك حين فعل بآلهتهم ما فعل مما قص الله تعالى علينا ، وفي بعض الآثار أنه عليه السلام لما شب وكبر جعل آزر يصنع الأصنام فيعطيها له ليبيعها فيذهب وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت ذهب بها إلى نهر وضرب فيه رؤوسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه حتى فشا فيهم استهزاؤه فجادلوه حينئذ وخوفوه . و ( ما ) موصولة إسمية حذف عائدها ، والضمير المجرور لله تعالى أي لا أخاف الذي تشركونه به سبحانه ، وجوز أن يكون عائداً إلى الموصول والباء سببية أي : الذي تشركون بسببه ، وأن تكون نكرة موصوفة وأن تكون مصدرية .

وقوله تعالى : { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } بتقدير الوقت عند غير واحد مستثنى من أعم الأوقات استثناء مفرغاً . وقال بعضهم : إن المصدر منصوب على الظرفية من غير تقدير وقت ، ومنع ذلك ابن الأنباري مفرقاً بين المصدر الصريح فيجوز نصبه على الظرفية وغير الصريح فلا يجوز فيه ذلك . وابن جني لا يفرق بين الصريح وغيره ويجوز ذلك فيهما على السواء ، والاستثناء متصل في رأي . و { شَيْئاً } مفعول به أو مفعول مطلق أي لا أخاف ما تشركون به في وقت من الأوقات إلا في وقت مشيئته تعالى شيئاً من إصابة مكروه لي من جهتها أو شيئاً من مشيئته تعالى إصابة مكروه لي من جهتها وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم في إيجاده وإحداثه . وجوز بعضهم أن يكون الاستثناء منقطعاً على معنى ولكن أخاف أن يشاء ربي خوفي ما أشركتم به ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام إشارة إلى أن مشيئته تلك إن وقعت غير خالية عن مصلحة تعود إليه بالتربية أو إظهار منه عليه الصلاة والسلام لانقياده لحكمه سبحانه وتعالى واستسلام لأمره واعتراف بكونه تحت ملكوته وربوبيته تعالى .

{ وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } كأنه تعليل للاستثناء أي أحاط بكل شيء علماً فلا يبعد أن يكون في علمه سبحانه إنزال المكروه بي من جهتها بسبب من الأسباب ، ونصب { عِلْمًا } على التمييز المحول عن الفاعل ، وجوز أن يكون نصباً على المصدرية لوسع من غير لفظه ، وفي الإظهار في موضع الإضمار تأكيد للمعنى المذكور واستلذاذ بذكره تعالى .

{ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } أي أتعرضون بعدما أوضحته لكم عن التأمل في أن آلهتكم بمعزل عن القدرة على شيء ما من النفع أو الضر فلا تتذكرون أنها غير قادرة على إضراري . وفي إيراد التذكر دون التفكر ونحوه إشارة إلى أن أمر آلهتكم مركوز في العقول لا يتوقف إلا على التذكير .

( ومن باب الإشارة فيها ) :{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ } في ترك السوى { قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله وَقَدْ هَدَانِى }

[ الأنعام : 80 ] إلى وجوده الحق وتوحيده