مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (70)

قوله تعالى : { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين }

اعلم أن هودا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع ، وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة ، وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات ، والجماد لا قدرة له على شيء أصلا ، وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم . ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله ، وأن لا يعبدوا شيئا من الأصنام ، ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد ، هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هودا عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد . فقالوا : { قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آبآؤنا } ثم قالوا : { فأتنا بما تعدنا } وذلك لأنه عليه السلام قال : { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون } فقوله : { أفلا تتقون } مشعر بالتهديد والتخويف بالوعيد فلهذا المعنى قالوا : { فأتنا بما تعدنا } وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعتقدون كونه كاذبا بدليل أنهم قالوا له : { وإنا لنظنك من الكاذبين } فلما اعتقدوا كونه كاذبا قالوا له : { فأتنا بما تعدنا } والغرض أنه إذا لم يأتهم بذلك العذاب ظهر للقوم كونه كاذبا ، وإنما قالوا ذلك لأنهم ظنوا أن الوعد لا يجوز أن يتأخر ، فلا جرم استعجلوه على هذا الحد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} (70)

{ قَالُوا } مجيبين عن تلك النصائح العظيمة المتضمنة للإنذار على ما أشير إليه . { أَجئْتَنَا لنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ } أي لنخصه بالعبادة { وَنَذَرَ } أي نترك { مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا } من الأوثان ، وهذا إنكار واستبعاد لمجيئه عليه السلام بذلك ومنشؤه انهماكهم في التقليد والحب لما ألفوه وألفوا عليه أسلافهم ، ومعنى المجىء إما مجيئه عليه السلام من مكان كان يتحنث فيه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بحراء قبل المبعث أو مجيئه من السماء أي أنزلت علينا من السماء ومرادهم التهكم والاستهزاء ، وجاء ذلك من زعمهم أن المرسل من الله تعالى لا يكون إلا ملكاً من السماء أو هو مجاز عن القصد إلى الشيء والروع فيه فإن جاء وقام وقعد وذهب كما قال جماعة تستعملها العرب لذلك تصويراً للحال فتقول قعد يفعل كذا وقام يشتمني وقعد يقرأ وذهب يسبني ، ونصب { وحده } على الحالية ، وهو عند جمهور النحويين ومنهم الخليل وسيبويه اسم موضوع موضع المصدر أعني إيجاد الموضوع موضع الحال أعني موحداً . واختلف هؤلاء فيما إذا قلت : رأيت زيداً وحده مثلاً فالأكثرون يقدرون في حال إيجاد له بالرؤية فيجعلونه حالاً من الفاعل ، والمبرد يقدره في حال أنه مفرد بالرؤية فيجعله حالاً من المفعول . ومنع أبو بكر بن طلحة جعله حالاً من الفاعل وأوجب كونه حالاً من المفعول لا غير لأنهم إذا أرادوا الحال من الفاعل قالوا رأيته وحدي ومررت به وحدي كما قال الشاعر

: والذئب أخشاه أن مررت به *** وحدي وأخشى الرياح والمطرا

وهذا الذي قاله في البيت صحيح ولا يمتنع من أجله أن يأتي الوجهان المتقدمان في رأيت زيداً وحده فإن المعنى يصح معهما ، ومنهم من يقول : إنه مصدر موضوع موضع الحال ولم يوضع له فعل عند بعضهم .

وحكى الأصمعي وحديحد ، وذهب يونس وهشام في أحد قوليه إلى أنه منتصب انتصاب الظروف فجاء زيد وحده في تقدير جاء على وحده ثم حذف الجار وانتصب على الظرف ، وقد صرح بعلى في كلام بعض العرب ، وإذا قيل زيد وحده فالتقدير زيد موضع التفرد ، ولعل القائل بما ذكر يقول : إنه مصدر وضع موضع الظرف . وعن البعض أنه في هذا منصوب بفعل مضمر كما يقال : زيد إقبالاً وإدباراً هذا خلاصة كلامهم في هذا المقام ، وإذا أحطت به خبراً فاعلم أن ( نعبد الله وحده ) في تقدير موحدين إياه بالعبادة عند سيبويه على أنه حال من الفاعل ، والحاء في موحدين مكسورة وعلى رأي ابن طلحة موحداً هو والحاء مفتوحة وهو من أوحد الرباعي والتقدير على رأي هشام نعبد الله تعالى على انفراد وهو من وحد الثلاثي ، والمعنى في التقادير الثلاثة لا يختلف إلا يسيراً ، والكلام الذي هو فيه متضمن للإيجاب والسلب وله احتمالات نفياً وإثباتاً وتفصيل ذلك في رسالة في مولانا تقي الدين السبكي المسماة «بالرفدة في معنى وحده » وفيها يقول الصفدي

: خل عنك الرقدة *** وانتبه للرفدة تجن منها علما

فاق طعم الشهدة *** وأراد بما في قوله تعالى : { فَأْتنَا بمَا تَعدُنَا } العذاب المدلول عليه بقوله تعالى : { أفلا تتقون } [ الأعراف : 65 ] { إنْ كُنْتَ منَ الصادقين } بالإخبار بنزوله ، وقيل : بالإخبار بأنك رسول الله تعالى إلينا ، وجواب { إن } محذوف لدلالة المذكور عليه أي فأت به .