مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (74)

ثم قال تعالى : { واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } قيل إنه تعالى لما أهلك عادا عمر ثمود بلادها ، وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعمارا طوالا .

ثم قال : { وبوأكم في الأرض } أنزلكم ، والمبوأ : المنزل من الأرض ، أي في أرض الحجر بين الحجاز والشام .

ثم قال : { تتخذون من سهولها قصورا } أي تبوؤن القصور من سهولة الأرض ، فإن القصور إنما تبنى من الطين واللبن والآجر ، وهذه الأشياء إنما تتخذ من سهولة الأرض { وتنحتون من الجبال بيوتا } يريد تنحتون بيوتا من الجبال تسقفونها .

فإن قالوا : علام انتصب بيوتا ؟

قلنا : على الحال كما يقال : خط هذا الثوب قميصا وأبر هذه القصبة قلما ، وهي من الحال المقدرة ، لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت ، ولا الثوب والقصبة قميصا ، وقلما في حال الخياطة والبري . وقيل : كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء ، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين .

ثم قال : { فاذكروا آلاء الله } يعني قد ذكرت لكم بعض أقسام ما آتاكم الله من النعم ، وذكر الكل طويل فاذكروا أنتم بعقولكم ما فيها { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } قيل المراد منه : النهي عن عقر الناقة ، والأولى أن يحمل على ظاهره وهو المنع عن كل أنواع الفساد .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ} (74)

{ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ } أي خلفاء في الأرض أو خلفاء لهم قيل : ولم يقل : خلفاء عاد مع أنه أخصر إشارة إلى أن بينهما زماناً طويلاً { وَبَوَّأَكُمْ } أي أنزلكم وجعل لكم مباءة { فِى الارض } أي أرض الحجر بين الحجاز والشام { تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا } أي تبنون في سهولها مساكن رفيعة . فمن بمعنى في كما في قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة } [ الجمعة : 9 ] ويجوز أن تكون ابتدائية أو تبعيضية أي تعملون القصور من مادة مأخوذة من السهل كاللبن والآجر المتخذين من الطين . والجار والمجرور على ما قال أبو البقاء يجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده . وأن يكون مفعولاً ثانياً لتتخذون . وأن يكون متعلقاً به وهو متعد لواحد . والسهل خلاف الحزن وهو موضع الحجارة والجبال . والجملة استئناف مبين لكيفية التبوئة فإن هذا الاتخاذ بأقداره سبحانه .

{ وَتَنْحِتُونَ الجبال } أي تنجرونها ، والنحت معروف في كل صلب ومضارعه مكسور الحاء . وقرأ الحسن بالفتح لحرف الحلق ، وفي «القاموس » عنه أنه «قرأ { *تنحاتون } » بالإشباع كينباع ، وانتصاب { مِنْهُ الجبال } على المفعولية ، وقوله سبحانه : { بُيُوتًا } نصب على أنه حال مقدرة منها لأنها لم تكن حال النحت بيوتاً كخطت الثوب جبة ، والحالية كما قال الشهاب باعتبار أنها بمعنى مسكونة إن قيل بالاشتقاق فيها ، وقيل : انتصاب { الجبال } بنزع الخافض أي من الجبال ، ويرجحه أنه وقع في آية أخرى كذلك ، ونصب { بُيُوتًا } على المفعولية ، وجوز أن يضمن النحت معنى الاتخاذ فانتصابهما على المفعولية . روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم اتخذوا القصور في السهول ليصيفوا فيها ونحتوا من الجبال بيوتاً ليشتوا فيها ، وقيل : إنهم نحتوا الجبال بيوتاً لطول أعمارهم وكانت الأبنية تبلى قبل أن تبلى أعمارهم .

{ فاذكروا ءالآء الله } أي نعمه التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميع نعمه ويدخل فيها ما ذكر دخولاً أولياً ، وليس المراد مجرد الذكر باللسان كما علمت . { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } فإن حق آلائه تعالى أن تشكر ولا يغفل عنها فكيف بالكفر ، والعثي الإفساد فمفسدين حال مؤكدة كما في { وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } [ الروم : 25 ] .

( هذاومن باب الإشارة ) :{ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } أي مستعدين للخلافة { وَبَوَّأَكُمْ في الأرض } أي أرض القلب { تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا } وهي المعاملات بالصدق { قُصُوراً } تسكنون فيها { وَتَنْحِتُونَ الجبال } وهي جبال أطوار القلب

{ بُيُوتًا } [ الأعراف : 74 ] هي مقامات السائرين إلى الله تعالى .