مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ} (71)

ثم حكى الله تعالى عن هود عليه السلام أنه قال عند هذا الكلام : { قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : هذا الذي أخبر الله عنه بأنه وقع لا يجوز أن يكون هو العذاب ، لأن العذاب ما كان حاصلا في ذلك الوقت وقد اختلفوا فيه قال القاضي : تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر ، إلا أنا نقول : معناه أنه تعالى أحدث إرادة في ذلك الوقت ، لأن بعد كفرهم وتكذيبهم حدثت هذه الإرادة . واعلم أن هذا القول عندنا باطل ، بل عندنا في الآية وجوه من التأويلات : أحدها : أنه تعالى أخبره في ذلك الوقت بنزول العذاب عليهم ، فلما حدث الإعلام في ذلك الوقت ، لا جرم قال هود في ذلك الوقت : { وقع عليكم من ربكم رجس وغضب } وثانيها : أنه جعل التوقع الذي لا بد من نزوله بمنزلة الواقع . ونظيره قولك لمن طلب منك شيئا ، قد كان بمعنى أنه سيكون ، ونظيره قوله تعالى : { أتى أمر الله } بمعنى : سيأتي أمر الله . وثالثها : أنا نحمل قوله : { وقع } على معنى وجد وحصل ، والمعنى : إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل إلى الأبد ، لأن قولنا : حصل لا إشعار له بالحدوث بعد ما لم يكن .

المسألة الثانية : الرجس لا يمكن أن يكون المراد منه العذاب لأن المراد من الغضب العذاب ، فلو حملنا الرجس عليه لزم التكرير ، وأيضا الرجس ضد التزكية والتطهير . قال تعالى : { تطهرهم وتزكيهم بها } وقال في صفة أهل البيت : { ويطهركم تطهيرا } والمراد التطهر من العقائد الباطلة والأفعال المذمومة ، وإذا كان كذلك ، وجب أن يكون الرجس عبارة عن العقائد الباطلة والأفعال المذمومة .

إذا ثبت هذا فقوله : { قد وقع عليكم من ربكم رجس } يدل على أنه تعالى خصهم بالعقائد المذمومة والصفات القبيحة ، وذلك يدل على أن الخير والشر من الله تعالى ، قال القفال : يجوز أن يكون الرجس هو الازدياد في الكفر بالرين على القلوب كقوله تعالى : { فزادتهم رجسا إلى رجسهم } أي قد وقع عليكم من الله رين على قلوبكم عقوبة منه لكم بالخذلان لألفكم الكفر وتماديكم في الغي .

واعلم أنا قد دللنا على أن هذه الآية تدل على أن كفرهم من الله ، فهذا الذي قاله القفال أن كان المراد منه ذلك . فقد جاء بالوفاق . إلا أنه شديد النفرة عن هذا المذهب وأكثر تأويل الآيات الدالة على هذا المذهب تدل على أنه لا يقول بهذا القول وإن كان المراد منه الجواب عما شرحناه ، فهو ضعيف لأنه ليس فيه ما يوجب رفع الدليل الذي ذكرناه ، والله أعلم .

وحاصل الكلام في الآية : أن القوم لما أصروا على التقليد وعدم الانقياد للدليل زادهم الله كفرا ، وهو المراد من قوله : { قد وقع عليكم من ربكم رجس } ثم خصهم بمزيد الغضب ، وهو قوله : { وغضب } .

ثم قال : { أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان } والمراد منه : الاستفهام على سبيل الإنكار ، وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة ، مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ، وسموا واحدا منها بالعزى مشتقا من العز ، والله ما أعطاه عزا أصلا ، وسموا آخر منها باللات ، وليس له من الإلهية شيء . وقوله : { ما نزل الله بها من سلطان } عبارة عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة ، ثم إنه عليه السلام ذكر لهم وعيدا مجددا فقال : { فانتظروا } ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام { إني معكم من المنتظرين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ} (71)

{ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ } أي وجب وثبت . وأصل استعمال الوقوع في نزول الأجسام ، واستعماله هنا فيما ذكر مجاز من إطلاق السبب على المسبب . ويجوز أن يكون في الكلام استعارة تبعية والمعنى قد نزل عليكم ، واختار بعضهم أن { وقع } بمعنى قضى وقدر لأن المقدرات تضاف إلى السماء وحرف الاستعلاء على ذلك ظاهر ، وفي «الكشف » أن الوقوع بمعنى الثبوت وحرف الاستعلاء إما لأنه ثبوت قوي أكد ما يكون( {[290]} ) وآجبه أو لأنه ثبوت حسي لأمر نازل من علو وعذاب الله تعالى موصوف بالنزول من السماء فتدبر . والتعبير بالماضي لتنزيل المتوقع منزلة الواقع كما في قوله تعالى : { أتى أمر الله } [ النحل : 1 ] .

مِّنْ رَّبِّكُمْ } أي من قبل مالك أمركم سبحانه وتعالى . والجار والمجرور قيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعد ، والظاهر أنه متعلق بالفعل قبله ، وتقديم الظرف الأول عليه مع أن المبدأ متقدم على المنتهي كما قال شيخ الإسلام للمسارعة إلى بيان إصابة المكروه لهم ، وكذا تقديمهما على الفاعل وهو قوله تعالى : { رجْسٌ } مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر ولأن فيه نوع طول بما عطف عليه من قوله تعالى : { وَغَضَبٌ } فربما يخل تقديمهما بتجاوب النظم الكريم . والرجس العذاب وهو بهذا المعنى في كل القرآن عند ابن زيد من الارتجاس وهو والارتجاز بمعنى حتى قيل : إن أصله ذلك فأبدلت الزاي سيناً كما أبدلت السين تاء في قوله

: ألا لحى الله بني السعلات *** عمرو بن يربوع شرار الناتليسوا بأعفاف ولا أكيات

فإنه أراد الناس وأكياس . وأصل معناه الاضطراب ثم شاع فيما ذكر لاضطراب من حل به ، وعليه فالعطف في قوله

: إذا سنة كانت بنجد محيطة *** وكان عليهم رجسها وعذابها

للتفسير . والغضب عند كثير بمعنى إرادة الانتقام . وعن ابن عباس أنه فسر الرجس باللعنة والغضب بالعذاب وأنشد له البيت السابق وفيه خفاء . والذاهبون إلى ما تقدم إنما لم يفسروه بالعذاب لئلا يتكرر مع ما قبله ، ولا يبعد أن يفسر الرجس بالعذاب والغضب باللعن والطرد على عكس ما نسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويكون في الكلام حينئذٍ إشارة إلى حالهم في الأولى والأخرى . ويمكن إرجاع ما ذكره الكثير من المفسرين إلى هذا وإلا فالظاهر أنه لا لطافة في قولك : وقع عليهم عذاب وإرادة انتقام على ظاهر كلامهم . وأياً ما كان فالتنوين للتفخيم والتهويل .

{ أَتُجَادلُونَني في أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ } إنكار واستقباح لإنكارهم مجيئه عليه السلام داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وترك ما كان يعبد آباؤهم من الأصنام والأسماء عبارة عن تلك الأصنام الباطلة ، وهذا كما يقال لما لا يليق ما هو إلا مجرد اسم ، والمعنى أتخاصمونني في مسميات وضعتم لها أسماء لا تليق بها فسميتموها آلهة من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيء ما لأن المستحق للمعبودية ليس إلا من أوجد الكل وهي بمعزل عن إيجاد ذرة وأنها لو استحق لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آية أو نصب حجة وكلاهما مستحيل وذلك قوله تعالى : { مَا نَزَّلَ الله بهَا منْ سُلْطَان } أي حجة ودليل وحيث لم يكن ذلك في حيز الإمكان تحقق بطلان ما هم عليه .

والذم الذي يفهمه الكلام متوجه إلى التسمية الخالية عن المعنى المشحونة بمزيد الضلالة والغواية والافتراء العظيم ، وقيل : إنهم سموها خالقة ورازقة ومنزلة المطر ونحو ذلك . والضمير المنصوب في { سميتموها } راجع لأسماء وهو على ما قيل المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف حسبما أشير إليه . وقيل : المفعول الأول محذوف والضمير هو المفعول الثاني والمراد سميتم أصنامكم بها . وقيل : المراد من سميتموها وصفتموها فلا حاجة له إلى مفعولين ، وحمل الآية على ما ذكر أولاً في تفسيرها هو الذي اختاره جمع وجوز بعضهم أن يكون الكلام على حذف مضاف أي أتجادلونني في ذوي أسماء . وادعى آخرون جواز أن يكون فيه صنعة الاستخدام . واستدل بالآية من قال : إن الاسم عين المسمى ومن قال : إن اللغات توقيفية إذ لو لم تكن كذلك لم يتوجه الإنكار والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله تعالى بها سلطاناً ، ولا يخفى عليك ما في ذلك من الضعف .

{ فانتظروا } نزول العذاب الذي طلبتموه بقولكم : { فأتنا بما تعدنا } [ الأعراف : 70 ] لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد والجهالة { إنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين } لنزوله بكم . والفاء في { فانتظروا } للترتيب على ما تقدم

[ بم وفي قوله تعالى :


[290]:- قوله وآجبه كذا بخط المؤلف وتأمل.