مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا} (11)

أما قوله تعالى : { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } فهذا جواب ثالث عن تلك الشبهة كأنه سبحانه قال ليس ما تعلقوا به شبهة عيلمة في نفس المسألة ، بل الذي حملهم على تكذيبك تكذيبهم بالساعة استثقالا للاستعداد لها ، ويحتمل أن يكون المعنى أنهم يكذبون بالساعة فلا يرجون ثوابا ولا عقابا ولا يتحملون كلفة النظر والفكر ، فلهذا لا ينتفعون بما يورد عليهم من الدلائل ، ثم قال : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قال أبو مسلم : { وأعتدنا } أي جعلناها عتيدا ومعدة لهم ، والسعير النار الشديدة الاستعار ، وعن الحسن أنه اسم من أسماء جهنم .

المسألة الثانية : احتج أصحابنا على أن الجنة مخلوقة بقوله تعالى : { أعدت للمتقين } وعلى أن النار التي هي دار العقاب مخلوقة بهذه الآية وهي قوله : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } وقوله : { أعتدنا } إخبار عن فعل وقع في الماضي ، فدلت الآية على أن دار العقاب مخلوقة قال الجبائي يحتمل وأعتدنا النار في الدنيا وبها نعذب الكفار والفساق في قبورهم ويحتمل نار الآخرة ويكون معنى { وأعتدنا } أي سنعدها لهم كقوله : { ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار } واعلم أن هذا السؤال في نهاية السقوط لأن المراد من السعير ، إما نار الدنيا وإما نار الآخرة ، فإن كان الأول فإما أن يكون المراد أنه تعالى يعذبهم في الدنيا بنار الدنيا أو يعذبهم في الآخرة بنار الدنيا ، والأول باطل لأنه تعالى ما عذبهم بالنار في الدنيا ، والتالي أيضا باطل لأنه لم يقل أحد من الأمة أنه تعالى يعذب الكفرة في الآخرة بنيران الدنيا ، فثبت أن المراد نار الآخرة وثبت أنها معدة ، وحمل الآية على أن الله سيجعلها معدة ترك للظاهر من غير دليل ، وعلى أن الحسن قال السعير اسم من أسماء جهنم فقوله : { وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } صريح في أنه تعالى أعد جهنم .

المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على أن السعيد من سعد في بطن أمه فقالوا إن الذين أعد الله تعالى لهم السعير وأخبر عن ذلك وحكم به أن صاروا مؤمنين من أهل الثواب انقلب حكم الله بكونهم من أهل السعير كذبا وانقلب بذلك علمه جهلا ، وهذا الانقلاب محال والمؤدي إلى المحال محال . فصيرورة أولئك مؤمنين من أهل الثواب محال ، فثبت أن السعيد لا ينقلب شقيا ، والشقي لا ينقلب سعيدا .

 
أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي - البيضاوي [إخفاء]  
{بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا} (11)

{ بل كذبوا بالساعة } فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك ، أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة ، أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة ، أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه . { واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا } نارا شديدة الاستعار ، وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان .