مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (9)

ثم بعد الدليل الذي لا يمكن الذهول عنه ، والدليل الذي لا يقع الذهول عنه وإن إمكن هو السماوات والأرض لأن من البعيد أن يذهل الإنسان عن السماء التي فوقه والأرض التي تحته ، ذكر ما يقع الذهول عنه وهو أمر أمثالهم وحكاية أشكالهم فقال تعالى : { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمرها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }

وقال في الدليلين المتقدمين : { أولم يروا } ولم يقل : { أو لم يسيروا } إذ لا حاجة هناك إلى السير بحضور النفس والسماء والأرض وقال ههنا : { أولم يسيروا فينظرو } ذكرهم بحال أمثالهم ووبال أشكالهم ، ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدم من عاد وثمود كانوا أشد منهم قوة ولم تنفعهم قواهم وكانوا أكثر مالا وعمارة ، ولم يمنع عنهم الهلاك أموالهم وحصونهم ، واعلم أن اعتماد الإنسان على ثلاثة أشياء قوة جسمية فيه أو في أعوانه إذ بها المباشرة وقوة مالية إذ بها التأهب للمباشرة ، وقوة ظهرية يستند إليها عند الضعف والفتور وهي بالحصون والعمائر ، فقال تعالى : كانوا أشد منهم قوة في الجسم وأكثر منهم مالا لأنهم أثاروا الأرض أي حرثوها ، ومنه بقرة تثير الأرض ، وقيل منه سمي ثورا ، وأنتم لا حراثة لكم فأموالهم كانت أكثر ، وعمارتهم كانت أكثر لأن أبنيتهم كانت رفيعة وحصونهم منيعة ، وعمارة أهل مكة كانت يسيرة ثم هؤلاء جاءتهم رسلهم بالبينات وأمروهم ونهوهم ، فلما كذبوا أهلكوا فكيف أنتم ، وقوله : { فما كان الله ليظلمهم } يعني لم يظلمهم بالتكليف ، فإن التكليف شريف لا يؤثر له إلا محل شريف ولكن هم ظلموا أنفسهم بوضعها في موضع خسيس ، وهو عبادة الأصنام واتباع إبليس ، فكأن الله بالتكليف وضعهم فيما خلقوا له وهو الربح ، لأنه تعالى قال خلقتكم لتربحوا علي لا لأربح عليكم ، والوضع في ( أي ) موضع كان الخلق له ليس بظلم ، وأما هم فوضعوا أنفسهم في مواضع الخسران ولم يكونوا خلقوا إلا للربح فهم كانوا ظالمين ، وهذا الكلام منا وإن كان في الظاهر يشبه كلام المعتزلة لكن العاقل يعلم كيف يقوله أهل السنة ، وهو أن هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته ، لكنه كان منهم ومضافا إليهم .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (9)

شرح الكلمات :

{ وأثاروا الأرض وعمروها } : قلبوها للحرث والغرس والإِنشاء والتعمير .

{ وعمروها } : أي عمروا الأرض عمارة أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون .

{ وجاءت رسلهم بالبينات } : أي بالدلائل والحجج والبراهين من المعجزات وغيرها .

{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } : أي بتكذيبهم وشركهم ومعاصيهم فعرضوا أنفسهم للهلاك .

المعنى :

وقوله تعالى في الآية ( 9 ) { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } أي أيكذِّب أولئك المشركون بالبعث والجزاء ولم يسيروا في الأرض شمالا وجنوبا فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم هلاكاً ودماراً ، { كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض } بالإِنشاء والتعمير والزراعة والفلاحة { وعمروها } عمارة أكثر مما عَمَرها هؤلاء ، { وجاءتهم رسلهم بالبيّنات } ، ولما أهلكهم لم يكن ظالماً لهم بل كانوا هم الظالمين نفسهم . أليس في هذا دليلا على حكمة الله وعلمه وقدرته فكيف ينكر عليه بعثه لعباده يوم القيامة لحسابهم ومجازاتهم ؟ .

الهداية :

من الهداية :

- مشروعية السير في الأرض للاعتبار مع اشتراط عدم حصول إثم في ذلك بترك واجب أو بفعل محرم .