مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ} (16)

{ الجوار الكنس } فيه قولان ( الأول ) : وهو المشهور الظاهرة أنها النجوم الخنس جمع خانس ، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول : خنس من بين القوم وانخنس ، وفي الحديث ( الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خنس ) أي انقبض ولذلك سمي الخناس { والكنس } جمع كانس وكانسة يقال : كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش يقال كنس الظباء في كنسها ، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس . ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه ( فالقول الأظهر ) : أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة ( القول الثاني ) : ما روي عن علي عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها ( والقول الثالث ) : أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى : { رب المشارق والمغارب } ولا شك أن فيها مطلعا واحدا ومغربا واحدا هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رؤوسنا ، ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة ، ثم ترجع إليه فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع ، وكنوسها عبارة عن عودها إليه ، فهذا محتمل فعلى القول الأول يكون القسم واقعا بالخمسة المتحيرة ، وعلى القول الثاني يكون القسم واقعا بجميع الكواكب وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرته يكون القسم واقعا بالسبعة السيارة ، والله أعلم بمراده .

والقول الثاني : أن { الجوار الكنس } وهو قول ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش ، وقال سعيد بن جبير : هي الظباء ، وعلى هذا الخنس من الخنس في الأنف وهو تقعير في الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة { والكنس } جمع كانس وهي التي تدخل الكناس والقول هو الأول

والدليل عليه أمران :

الأول : انه قال بعد ذلك { والليل إذا عسعس } وهذا بالنجوم أليق منه ببقر الوحش .

الثاني : أن محل قسم الله كلما كان أعظم وأعلى رتبة كان أولى ، ولا شك أن الكواكب أعلى رتبة من بقر الوحش .

الثالث : أن ( الخنس ) جمع خانس من الخنوس ، وإما جمع خنساء وأخنس من الخنس خنس بالسكون والتخفيف ، ولا يقال : الخنس فيه بالتشديد إلا أن يجعل الخنس في الوحشية أيضا من الخنوس وهو اختفاؤها في الكناس إذا غابت عن الأعين .

 
صفوة البيان لحسين مخلوف - حسنين مخلوف [إخفاء]  
{ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ} (16)

{ الجوار } جمع جارية ؛ من الجري وهو المر السريع . { الكنس } كركع . جمع كانس ؛ من كنس الظبي – من باب نزل – دخل كناسه ، وهو بيته الذي يتخذه من أغصان الشجر ؛ لأنه يكنس الرمل حتى يصل إليه . أقسم تعالى بالنجوم التي تخنس بالنهار ، أي يغيب ضوءها فيه عن الأبصار مع كونها فوق الأفق ، ويظهر بالليل . وتكنس ، أي تستتر وقت غروبها ، أي نزولها تحت الأفق ؛ كما تكنسي الظباء في كنسها . وإنما أقسم بها لدلالتها بهذه الأحوال المختلفة والحركات المتسقة – على عظيم قدرة مبدعها ومصرفها . وكذلك في القسمين الآخرين . ومن ذلك خلقه ذلك الملك الكريم القوي الأمين ، وإنزاله بالوحي على رسوله العظيم .