قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } تعليلا لما تقدم من الأمرين ، فقوله { هو الرزاق } تعليل لعدم طلب الرزق وقوله تعالى : { ذو القوة } تعليل لعدم طلب العمل ، لأن من يطلب رزقا يكون فقيرا محتاجا ومن يطلب عملا من غيره يكون عاجزا لا قوة له ، فصار كأنه يقول ما أريد منهم من رزق فإني أنا الرزاق ولا عمل فإني قوي وفيه مباحث ( الأول ) قال : { ما أريد } ولم يقل إني رزاق بل قال على الحكاية عن الغائب { إن الله } فما الحكمة فيه ؟ نقول قد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( إني أنا الرزاق ) على ما ذكرت وأما القراءة المشهورة ففيها وجوه ( الأول ) أن يكون المعنى قل يا محمد { إن الله هو الرزاق } ( الثاني ) أن يكون ذلك من باب الالتفات والرجوع من التكلم عن النفس إلى التكلم عن الغائب ، وفيه هاهنا فائدة وهي أن اسم الله يفيد كونه رزاقا وذلك لأن الإله بمعنى المعبود كما ذكرنا مرارا وتمسكنا بقوله تعالى : { ويذرك وآلهتك } أي معبوديك وإذ كان الله هو المعبود ورزق العبد استعمله من غير الكسب إذ رزقه على السيد وهاهنا لما قال : { ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فقد بين أنه استخلصهم لنفسه وعبادته وكان عليه رزقهم فقال تعالى : { إن الله هو الرزاق } بلفظ الله الدال على كونه رزاقا ، ولو قال إني أنا الرزاق لحصلت المناسبة التي ذكرت ولكن لا يحصل ما ذكرنا ( الثالث ) أن يكون قل مضمرا عند قوله تعالى : { ما أريد منهم } تقديره قل يا محمد { ما أريد منهم من رزق } فيكون بمعنى قوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } ويكون على هذا قوله تعالى : { إن الله هو الرزاق } من قول النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل القوي ، بل قال : { ذو القوة } وذلك لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير ، ولكن في عدم طلب الرزق لا يكفي كون المستغني بحيث يرزق واحدا فإن كثيرا من الناس يرزق ولده وغيره ويسترزق والملك يرزق الجند ويسترزق ، فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب ، لأن المسترزق ممن يكثر الرزق لا يسترزق من رزقه ، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له إلا بالمبالغة في وصف الرزق ، فقال : { الرزاق } وأما ما يغني عن الاستعانة بالغير فدون ذلك : وذلك لأن القوي إذا كان في غاية القوة يعين الغير فإذا كان دون ذلك لا يعين غيره ولا يستعين به ، وإذا كان دون ذلك يستعين استعانة ما وتتفاوت بعد ذلك ، ولما قال : { وما أريد أن يطعمون } كفاه بيان نفس القوة فقال : { ذو القوة } إفادة معنى القوة دون القوى لأن ذا لا يقال في الوصف اللازم البين فيقال في الآدمي ذو مال ومتمول وذو جمال وجميل وذو خلق حسن وخليق إلى غير ذلك مما لا يلزمه لزوما بينا ، ولا يقال في الثلاثة ذات فردية ولا في الأربعة ذات زوجية ، ولهذا لم يرد في الأوصاف الحقيقية التي ليست مأخوذة من الأفعال ولذا لم يسمع ذو الوجود وذو الحياة ولا ذو العلم ويقال في الإنسان ذو علم وذو حياة لأنها عرض فيه عارض لا لازم بين ، وفي صفات الفعل يقال الله تعالى ذو الفضل كثيرا وذو الخلق قليلا لأن ذا كذا بمعنى صاحبه وربه والصحبة لا يفهم منها اللزوم فضلا عن اللزوم البين ، والذي يؤيد هذا هو أنه تعالى قال : { وفوق كل ذي علم عليم } فجعل غيره ذا علم ووصف نفسه بالفعل فبين ذي العلم والعليم فرق وكذلك بين ذي القوة والقوي ، ويؤيده أيضا أنه تعالى قال : { فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب } وقال تعالى : { الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز } وقال تعالى : { لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } لأن في هذه الصور كان المراد بيان القيام بالأفعال العظيمة والمراد هاهنا عدم الاحتياج ومن لا يحتاج إلى الغير يكفيه من القوة قدر ما ، ومن يقوم مستبدا بالفعل لا بد له من قوة عظيمة ، لأن عدم الحاجة قد يكون بترك الفعل والاستغناء عنه ، ولو بين هذا البحث في معرض الجواب عن سؤال سائل عن الفرق بين قوله { ذو القوة } هاهنا وبين قوله { قوي } في تلك المواضع لكان أحسن ، فإن قيل فقد قال تعالى : { ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } وفيه ما ذكرت من المعنى وذلك لأن قوله { قوي } لبيان أنه غير محتاج إلى النصرة وإنما يريد أن يعلم ليثيب الناصر ، لكن عدم الاحتياج إلى النصرة يكفي فيه قوة ما ، فلم لم يقل إن الله ذو القوة ؟ نقول فيه إنه تعالى قال من ينصره ورسله ، ومعناه أنه يغني رسله عن الحاجة ولا يطلب نصرتهم من خلقه ليعجزهم وإنما يطلبها لثواب الناصرين لا لاحتياج المستنصرين وإلا فالله تعالى وعدهم بالنصر حيث قال : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون } ولما ذكر الرسل قال قوي يكون ذلك تقوية تقارب رسله المؤمنين ، وتسلية لصدورهم وصدور المؤمنين .
البحث الثاني : قال : { المتين } وذلك لأن { ذو القوة } كما بينا لا يدل إلا على أن له قوة ما فزاد في الوصف بيانا وهو الذي له ثبات لا يتزلزل وهو مع المتين من باب واحد لفظا ومعنى فإن متن الشيء هو أصله الذي عليه ثباته ، والمتن هو الظهر الذي عليه أساس البدن ، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة حيث ذكر الله تعالى في مواضع ذكر القوة والعزة فقال : { قوي عزيز } وقال { القوي العزيز } .
وفيه لطيفة تؤيد ما ذكرنا من البحث في القوي وذي القوة ، وذلك لأن المتين هو الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب ، ففي المتين أنه لا يغلب ولا يقهر ولا يهزم ، وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام ، والعزة أكمل من المتانة ، كما أن القوي أكمل من ذي القوة ، فقرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه ، ولو نظرت حق النظر وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله تعالى لطائف تنبهك على عناد المنكرين وقبح إنكار المعاندين .
والقرآن يغذي هذا الإحساس ويقويه . بإطلاق مشاعر الإنسان من الانشغال بهم الرزق ومن شح النفس . فالرزق في ذاته مكفول . تكفل به الله تعالى لعباده . وهو لا يطلب إليهم بطبيعة الحال أن يطعموه - سبحانه - أو يرزقوه . حين يكلفهم إنفاق هذا المال لمحتاجيه ، والقيام بحق المحرومين فيه :
( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) . .
وإذن لا يكون حافز المؤمن للعمل وبذل الجهد في الخلافة هو الحرص على تحصيل الرزق . بل يكون الحافز هو تحقيق معنى العبادة ، الذي يتحقق ببذل أقصى الجهد والطاقة . ومن ثم يصبح قلب الإنسان معلقا بتحقيق معنى العبادة في الجهد ، طليقا من التعلق بنتائج الجهد . . وهي مشاعر كريمة لا تنشأ إلا في ظل هذا التصوير الكريم .
وإذا كانت البشرية لا تدرك هذه المشاعر ولا تتذوقها ، فذلك لأنها لم تعش - كما عاش جيل المسلمين الأول - في ظلال هذا القرآن . ولم تستمد قواعد حياتها من ذلك الدستور العظيم .
وحين يرتفع الإنسان إلى هذا الأفق . أفق العبادة . أو أفق العبودية . ويستقر عليه ، فإن نفسه تأنف حتما من اتخاذ وسيلة خسيسة لتحقيق غاية كريمة . ولو كانت هذه الغاية هي نصر دعوة الله وجعل كلمته هي العليا . فالوسيلة الخسيسة من جهة تحطم معنى العبادة النظيف الكريم . ومن جهة أخرى فهو لا يعني نفسه ببلوغ
الغايات ، إنما يعني نفسه بأداء الواجبات ، تحقيقا لمعنى العبادة في الأداء . أما الغايات فموكولة لله ، يأتي بها وفق قدره الذي يريده . ولا داعي لاعتساف الوسائل والطرق للوصول إلى غاية أمرها إلى الله ، وليست داخلة في حساب المؤمن العابد لله .
ثم يستمتع العبد العابد براحة الضمير ، وطمأنينة النفس ، وصلاح البال ، في جميع الأحوال . سواء رأى ثمرة عمله أم لم يرها . تحققت كما قدرها أم على عكس ما قدرها . فهو قد أنهى عمله ، وضمن جزاءه ، عند تحقق معنى العبادة . واستراح . وما يقع بعد ذلك خارج عن حدود وظيفته . . وقد علم هو أنه عبد ، فلم يعد يتجاوز بمشاعره ولا بمطالبه حدود العبد . وعلم أن الله رب ، فلم يعد يتقحم فيما هو من شؤون الرب . واستقرت مشاعره عند هذا الحد ، ورضي الله عنه ، ورضي هو عن الله .
وهكذا تتجلى جوانب من تلك الحقيقة الضخمة الهائلة ، التي تقررها آية واحدة قصيرة : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . . وهي حقيقة كفيلة بأن تغير وجه الحياة كلها عندما تستقر حقا في الضمير . . .
{ إِنَّ الله هُوَ الرزاق } الذي يرزق كل مفتقر إلى الرزق لا غيره سبحانه استقلالاً ، أو اشتراكاً ويفهم من ذلك استغناؤه عز وجل عن الرزق { ذُو القوة أَيُّ القوة المتين } شديد القوة ، والجملة تعليل لعدم الإرادة قال الإمام : كونه تعالى هو الرزاق ناظر إلى عدم طلب الرزق لأن من يطلبه يكون فقيراً محتاجا ؛ وكونه عز وجل هو ذو القوة المتين ناظر إلى عدم طلب العمل المراد من قوله سبحانه : { وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } [ الذاريات : 57 ] لأن من يطلبه يكون عاجزاً لا قوة له فكأنه قيل : ما أريد منهم من رزق لأني أنا الرزاق وما أريد منهم من عمل لأني قوي متين ، وكان الظاهر أني أنا الرزاق كما جاء في قراءة له صلى الله عليه وسلم لكن التفت إلى الغيبة ، والتعبير بالاسم الجليل لاشتهاره بمعنى المعبودية فيكون في ذلك إشعار بعلة الحكم ولتخرج الآية مخرج المثل كما قيل ذلك في قوله تعالى : { إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } [ الإسراء : 81 ] والتعبير به على القول بتقدير قل فيما تقدم هو الظاهر ، وتحتاج القراءة الأخرى إلى ما ذكرناه آنفاً ، وآثر سبحانه ذو القوة على القوى قيل : لأن في { ذُو } كما قال ابن حجر الهيثمي وغيره تعظيم ما أضيفت إليه ، والموضوف بها والمقام يقتضيه ولذا جيء بالمتين بعد ولم يكتف به عن الوصف بالقوة ؛ وقال الإمام : لما كان المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير جيء بوصف الرزق على صيغة المبالغة لأنه بدونها لا يكفي في تقرير عدم إرادة الرزق وبوصف القوة بما لا مبالغة فيه لكفايته في تقرير عدم الاستعانة فإن من له قوة دون الغاية لا يستعين بغيره لكن لما لم يدل ذو القوة على أكثر من أن له تعالى قوة { مَا } زيد الوصف بالمتين وهو الذي له ثبات لا يتزلزل ، ثم قال : إن القوى أبلغ من ذي القوة والعزة أكمل من المتانة وقد قرن الأكمل بالأكمل وما دونه بما دونه في قوله تعالى : { لِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغيب إِنَّ الله قَوِىٌّ عَزِيزٌ } [ الحديد : 25 ] وفي قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق } الخ لما اقتضى المقام ذلك ، وقد أطال الكلام في هذا المقام وما أظنه يصفو عن كدر ، وقرأ ابن محيصن الرازق بزنة الفاعل ، وقرأ الأعمش . وابن وثاب المتين بالجر ، وخرج على أنه صفة القوة ، وجاز ذلك مع تذكيره لتأويلها بالاقتدار أو لكونه على زنة المصادر التي يستوي فيها المذكر والمؤنث ، أو لاجرائه مجرى فعيل بمعنى مفعول ، وأجاز أبو الفتح أن يكون صفة لذو وجر على الجوار كقولهم هذا حجر ضب خرب وضعف .
{ ذو القوة المتين } : أي صاحب القوة المتين الشديد الذي لا يعجزه شيء .
وقوله تعالى : { إن الله هو الرازق ذو القوة المتين } قرر به غناه عن خلقه ، وأعلم أنه ليس في حاجة إلى أحدٍ وذلك لغناه المطلق ، وقدرته التي لا يعجزها في الأرض ولا في السماء شيء .
- بيان غنى الله تعالى عن خلقه ، وعدم احتياجه إليهم بحال من الأحوال .