ثم قال تعالى : { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب }
وفيه وجهان أحدهما : يقذف بالحق في قلوب المحقين ، وعلى هذا الوجه للآية بما قبلها تعلق ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { إن هو إلا نذير لكم } وأكده بقوله : { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم } وكان من عادة المشركين استبعاد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه ، كما قال تعالى عنهم : { أأنزل عليه الذكر من بيننا } ذكر ما يصلح جوابا لهم فقال : { قل إن ربى يقذف بالحق } أي في القلوب إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء .
ثم قال تعالى : { علام الغيوب } إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو أن من يفعل شيئا كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالما وإنما فعل ذلك اتفاقا ، كما إذا أصاب السهم موضعا دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة فقال : { يقذف بالحق } كيف يشاء وهو عالم بما يفعله وعالم بعواقب ما يفعله فهو يفعل ما يريد لا كما يفعله الهاجم الغافل عن العواقب إذ هو علام الغيوب الوجه الثاني : أن المراد منه هو أنه يقذف بالحق على الباطل كما قال في سورة الأنبياء : { بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه } وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها أيضا ظاهر وذلك من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت ودحضت شبههم قال : { قل إن ربى يقذف بالحق } أي على باطلكم ، وقوله : { علام الغيوب } على هذا الوجه له معنى لطيف وهو أن البرهان الباهر المعقول الظاهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة ، وأما الحشر فعلى وقوعه لا برهان غير إخبار الله تعالى عنه ، وعن أحواله وأهواله ، ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة ، فلما قال : { يقذف بالحق } أي على الباطل ، إشارة إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة قال : { علام الغيوب } أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأحوالها فهو لا خلف فيه فإن الله علام الغيوب ، والآية تحتمل تفسيرا آخر وهو أن يقال : { ربى يقذف بالحق } أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به أي الحق مقذوف وعلى هذا الباء فيه كالباء في قوله : { وقضى بينهم بالحق } وفي قوله : { فاحكم بين الناس بالحق } والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم .
{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق } قال السدي وقتادة : بالوحي ، وفي رواية أخرى عن قتادة بالقرآن والمآل واحد ؛ وأصل القذف الرمي بدفع شديد وهو هنا مجاز عن الإلقاء ، والباء زائدة أي إن ربي يلقي الوحي وينزله على قلب من يجتبيه من عباده سبحانه ، وقيل القذف مضمن معنى الرمي فالباء ليست زائدة ، وجوز أن يراد بالحق مقابل الباطل والباء للملابسة والمقذوف محذوف ، والمعنى إن ربي يلقى ما يلقى إلى أنبيائه عليهم السلام من الوحي بالحق لا بالباطل .
وعن ابن عباس إن المعنى يقذف الباطل بالحق أي يورده عليه حتى يبطله عز وجل ويزيله ، والحق مقابل الباطل والباء مثلها في قولك قتلته بالضرب ، وفي الكلام استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسي والمستعار له عقلي ، وجوز أن تكون الاستعارة مكنية ، وقيل : المعنى يرمي بالحق إلى أقطار الآفاق على أن ذلك مجاز عن إشاعته فيكون الكلام وعداً بإظهار الإسلام وإفشائه ، وفيه من الاستعارة ما فيه { علام الغيوب } خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه علام الغيوب أو صفة محمولة على محل إن مع اسمها كما جوزه الكثير من النحاة وإن منعه سيبويه أو بدل من ضمير { يَقْذِفُ } ولا يلزم خلو جملة الخبر من العائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح من كل الوجوه ، وقال الكسائي : هو نعت لذلك الضمير ومذهبه جواز نعت المضمر الغائب .
وقرأ عيسى . وزيد بن علي . وابن أبي إسحاق . وابن أبي عبلة . وأبو حيوة . وحرب عن طلحة { عِلْمَ } بالنصب فقال الزمخشري : صفة لربي ، وقال أبو الفضل الرازي : وابن عطية : بدل ، وقال الحوفي : بدل أو صفة ، وقيل نصب على المدح . وقرأ ابن ذكوان . وأبو بكر . وحمزة . والكسائي { الغيوب } بالكسر كالبيوت ، والباقون بالضم كالعشور وهو فيهما جمع ، وقرئ بالفتح كصبور على أنه مفرد للمبالغة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.