روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُيُوبِ} (48)

{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق } قال السدي وقتادة : بالوحي ، وفي رواية أخرى عن قتادة بالقرآن والمآل واحد ؛ وأصل القذف الرمي بدفع شديد وهو هنا مجاز عن الإلقاء ، والباء زائدة أي إن ربي يلقي الوحي وينزله على قلب من يجتبيه من عباده سبحانه ، وقيل القذف مضمن معنى الرمي فالباء ليست زائدة ، وجوز أن يراد بالحق مقابل الباطل والباء للملابسة والمقذوف محذوف ، والمعنى إن ربي يلقى ما يلقى إلى أنبيائه عليهم السلام من الوحي بالحق لا بالباطل .

وعن ابن عباس إن المعنى يقذف الباطل بالحق أي يورده عليه حتى يبطله عز وجل ويزيله ، والحق مقابل الباطل والباء مثلها في قولك قتلته بالضرب ، وفي الكلام استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسي والمستعار له عقلي ، وجوز أن تكون الاستعارة مكنية ، وقيل : المعنى يرمي بالحق إلى أقطار الآفاق على أن ذلك مجاز عن إشاعته فيكون الكلام وعداً بإظهار الإسلام وإفشائه ، وفيه من الاستعارة ما فيه { علام الغيوب } خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه علام الغيوب أو صفة محمولة على محل إن مع اسمها كما جوزه الكثير من النحاة وإن منعه سيبويه أو بدل من ضمير { يَقْذِفُ } ولا يلزم خلو جملة الخبر من العائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح من كل الوجوه ، وقال الكسائي : هو نعت لذلك الضمير ومذهبه جواز نعت المضمر الغائب .

وقرأ عيسى . وزيد بن علي . وابن أبي إسحاق . وابن أبي عبلة . وأبو حيوة . وحرب عن طلحة { عِلْمَ } بالنصب فقال الزمخشري : صفة لربي ، وقال أبو الفضل الرازي : وابن عطية : بدل ، وقال الحوفي : بدل أو صفة ، وقيل نصب على المدح . وقرأ ابن ذكوان . وأبو بكر . وحمزة . والكسائي { الغيوب } بالكسر كالبيوت ، والباقون بالضم كالعشور وهو فيهما جمع ، وقرئ بالفتح كصبور على أنه مفرد للمبالغة .