قوله تعالى : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ، إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم ، طلعها كأنه رؤوس الشياطين ، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ، ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ، ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم ، إنهم ألفوا آباءهم ضالون ، فهم على آثارهم يهرعون ، ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ، ولقد أرسلنا فيهم منذرين ، فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ، إلا عباد الله المخلصين } .
اعلم أنه تعالى لما قال بعد ذكر أهل الجنة ووصفها { لمثل هذا فليعمل العاملون } [ الصافات : 61 ] أتبعه بقوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يورد ذلك على كفار قومه ليصير ذلك زاجرا لهم عن الكفر ، وكما وصف من قبل مآكل أهل الجنة ومشاربهم وصف أيضا في هذه الآية مآكل أهل النار ومشاربهم .
أما قوله : { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم } فالمعنى أن الرزق المعلوم المذكور لأهل الجنة { خير نزلا } أي خير حاصلا { أم شجرة الزقوم } وأصل النزل الفضل الواسع في الطعام يقال طعام كثير النزل ، فاستعير للحاصل من الشيء ، ويقال أرسل الأمير إلى فلان نزلا وهو الشيء الذي يصلح حال من ينزل بسببه ، إذا عرفت هذا فنقول حاصل الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور ، وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم ، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام ، إما على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم ، والكافرين اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم فقيل لهم ذلك توبيخا لهم على سوء اختيارهم ، وأما { الزقوم } فقال الواحدي رحمه الله لم يذكر المفسرون . للزقوم تفسيرا إلا الكلبي فإنه روي أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري أكثر الله في بيوتكم الزقوم ، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم ، فقال أبو جهل لجاريته زقمينا فأتته بزبد وتمر ، وقال : تزقموا . ثم قال الواحدي ومعلوم أن الله تعالى لم يرد بالزقوم ههنا الزبد والتمر ، قال ابن دريد لم يكن للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال بات فلان يتزقم . وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعام منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصفات كل من تناولها عظم من تناولها ، ثم إنه تعالى يكره أهل النار على تناول بعض أجزائها .
{ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } فمن كلامه جل وعلا عند الأكثرين وهو متعلق بقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات : 62 ] والقصة بينهما ذكرت بطريق الاستطراد فالإشارة إلى الرزق المعلوم .
وزعم بعضهم جواز كونه من كلام القائل السابق وما هو من كلامه عز وجل قطعاً هو ما يأتي إن شاء الله تعالى .
وأصل النزل الفضل والريع في الطعام ويستعمل في الحاصل من الشيء ومنه العسل ليس من إنزال الأرض أي مما يحصل منها ، وقول الشافعي لا يجب في العسل العشر لأنه نزل طائر ويقال لما يعد للنازل من الرزق .
والزقوم اسم شجرة صغيرة الورق مرة كريهة الرائحة ذات لبن إذا أصاب جسد إنسان تورم تكون في تهامة وفي البلاد المجدبة المجاورة للصحراء سميت بها الشجرة الموصوفة بما في الآية ، وكلا المعنيين للنزل محتمل هنا بيد أنه يتعين على الأول انتصابه على التمييز أي أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير نزلاً وحاصلاً أم شجرة الزقوم التي حاصلها الألم والغم ، ومعنى التفاضل بين النزلين التوبيخ والتهكم وهو أسلوب كثير الورود في القرآن ، والحمل على المشاكلة جائز ، وعلى الثاني الظاهر انتصابه على الحال ، والمعنى أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة وأهل النار نزلهم شجرة الزقوم فأيهما خير حال كونه نزلاً ، وفيه ما مر من التهكم .
والحمل على التمييز لا مانع منه لفظاً كما في نحوهم أكفاهم ناصراً ولكن المعنى على الحال أسد لأن المعنى المفاضلة بين تلك الفواكه وهذا الطعام في هذه الحال لا التفاضل بينهما في الوصف وأن ذلك في النزلية أدخل من الآخر فافهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.