الصفة الخامسة : من صفات ذلك اليوم قوله { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } .
واعلم أنه سبحانه لما شرح صفات القهر في ذلك اليوم أردفه ببيان صفات العدل والفضل في ذلك اليوم فقال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذا الكلام اشتمل على أمور ثلاثة : ( أولها ) إثبات الكسب للإنسان ( والثاني ) أن كسبه يوجب الجزاء ( والثالث ) أن ذلك الجزاء إنما يستوفى في ذلك اليوم فهذه الكلمة على اختصارها مشتملة على هذه الأصول الثلاثة في هذا الكتاب ، وهي أصول عظيمة الموقع في الدين ، وقد سبق تقرير هذه الأصول مرارا ، ولا بأس بذكر بعض النكت في تقرير هذه الأصول ( أما الأول ) فهو إثبات الكسب للإنسان وهو عبارة عن كون أعضائه سليمة صالحة للفعل والترك فما دام يبقى على هذا الاستواء امتنع صدور الفعل والترك عنه ، فإذا انضاف إليه الداعي إلى الفعل أو الداعي إلى الترك وجب صدور ذلك الفعل أو الترك عنه . ( وأما الثاني ) وهو بيان ترتب الجزاء عليه ، فاعلم أن الأفعال على قسمين منها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الجسمانية الحاصلة في عالم الدنيا ، ومنها ما يكون الداعي إليه طلب الخيرات الروحانية التي لا يظهر كمالها إلا في عالم الآخرة وقد ثبت بالتجربة أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات الراسخة ، فمن غلب عليه القسم الأول استحكمت رحمته رغبته في الدنيا وفي الجسمانيات ، فعند الموت يحصل الفراق بينه وبين مطلوبه على أعظم الوجوه ويعظم عليه البلاء ، ومن غلب عليه القسم الثاني فعند الموت يفارق المبغوض ويتصل بالمحبوب فتعظم الآلاء والنعماء ، فهذا هو معنى الكسب ، ومعنى كون ذلك الكسب موجبا للجزاء ، فظهر بهذا أن كمال الجزاء لا يحصل إلا في يوم القيامة ، فهذا قانون كلي عقلي ، والشريعة الحقة أتت بما يقوي هذا القانون الكلي في تفاصيل الأعمال والأقوال ، والله أعلم .
المسألة الثانية : هذه الآية أصل عظيم في أصول الفقه ، وذلك لأنا نقول لو كان شيء من أنواع الضرر مشروعا لكان إما أن يكون مشروعا لكونه جزاء على شيء من الجنايات أو لا لكونه جزاء والقسمان باطلان ، فبطل القول بكونه مشروعا ، أما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعا ليكون جزاء على شيء من الأعمال فلأن هذا النص يقتضي تأخير الأجزية إلى يوم القيامة ، فإثباته في الدنيا يكون على خلاف هذا النص ، وأما بيان أنه لا يجوز أن يكون مشروعا للجزاء لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ولقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } ولقوله صلى الله عليه وسلم : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » عدلنا عن هذه العمومات فيما إذا كانت المضار أجزية ، وفيما ورد نص في الإذن فيه كذبح الحيوانات ، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة فيما عداه ، فثبت بما ذكرنا أن الأصل في المضار والآلام التحريم ، فإن وجدنا نصا خاصا يدل على الشرعية قضينا به تقديما للخاص على العام ، وإلا فهو باق على أصل التحريم ، وهذا أصل كلي منتفع به في الشريعة ، والله علم .
الصفة السادسة : من صفات ذلك اليوم قوله { لا ظلم اليوم } والمقصود أنه لما قال : { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت } أردفه بما يدل على أنه لا يقع في ذلك اليوم نوع من أنواع الظلم ، قال المحققون وقوع الظلم في الجزاء يقع على أربعة أقسام : ( أحدها ) أن يستحق الرجل ثوابا فيمنع منه ( وثانيها ) أن يعطي بعض بعض حقه ولكنه لا يوصل إليه حقه بالتمام ( ثالثها ) أن يعذب من لا يستحق العذاب ( ورابعها ) أن يكون الرجل مستحقا للعذاب فيعذب ويزداد على قدر حقه فقوله تعالى : { لا ظلم اليوم } يفيد نفي هذه الأقسام الأربعة ، قال القاضي هذه الآية قوية في إبطال قول المجبرة لأن على قولهم لا ظلم غالبا وشاهدا إلا من الله ، ولأنه تعالى إذا خلق فيه الكفر ثم عذبه عليه فهذا هو عين الظلم والجواب عنه معلوم .
ثم قال تعالى : { إن الله سريع الحساب } وذكر هذا الكلام في هذا الموضع لائق جدا ، لأنه تعالى لما بين أنه لا ظلم بين أنه سريع الحساب . وذلك يدل على أنه يصل إليهم ما يستحقونه في الحال ، والله أعلم .
وقوله تعالى : { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ } أي من النفوس البرة والفاجرة { بِمَا كَسَبَتْ } أي من خير أو شر { لاَ ظُلْمَ اليوم } بنقص الثواب وزيادة العقاب { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } [ غافر : 16 ، 17 ] أي سريع حسابه إذ لا يشغله سبحانه شأن عن شأن فيصل إلى المحاسب من النفوس ما يستحقه سريعاً . روي عن ابن عباس أنه تعالى إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها من تتمة الجواب جيء به لبيان إجمال فيه ، والتذييل لتعليل ما قبله .
والمنادي بذلك سؤالاً وجواباً واحد . أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال : «يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله تعالى فيها قط ولم يخطأ فيها فأول ما يتكلم أن ينادي مناد { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ اليوم إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } [ غافر : 16 ، 17 ] فأول ما يبدؤن به من الخصومات الدماء » الحديث ، وهو عند الحسن الله نفسه عز وجل ، وقيل : ملك ، وقيل : السائل هو الله تعالى أو ملك والمجيب الناس .
وذكر الطيبي تقريراً لعبارة الكشاف أن قوله تعالى : { اليوم تجزى } الخ تعليل فيجب أن يكون السائل والمجيب هو الله عز وجل ، فإنه سبحانه لما سأل { لّمَنِ الملك اليوم } وأجاب هو سبحانه بنفسه { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } كان المقام موقع السؤال وطلب التعليل فأوقع { اليوم تجزى } جواباً عنه يعني إنما اختص الملك بن تعالى لأنه وحده يقدر على مجازاة كل نفس بما كسبت وله العدل التام فلا يظلم أحداً وله التصرف فلا يشغله شأن عن شأن فيسرع الحساب ، ولو أوقع { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } جواباً عن أهل المحشر لم يحسن هذا الاستئناف انتهى ، وفيه ما فيه .
والحق أن قوله تعالى : { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ } الخ إن كان من كلام المجيب كما هو ظاهر حديث ابن مسعود بعد أن يكون من الناس ، وجوز فيه أن لا يكون من تتمة الجواب بل هو حكاية لما سيقوله تعالى في ذلك اليوم عقيب السؤال والجواب . وأياً ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وظهور ذلك للكفرة والجهلة . وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً . وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين النفختين حين يفنى عز وجل الخلائق . وروي نحوه عن ابن عباس .
أخرج عبد بن حميد في «زوائد الزهد » . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه . وأبو نعيم في الحلية عنه رضي الله تعالى عنه قال : «ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار » والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة الحديث يكون مرتين .
ومعنى جزاء النفوس بما كسبت أنها تجزى خيراً إن كسبت خيراً وشراً إن كسبت شراً . وقيل : إن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيآت توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا فإذا قامت قيامتها وزالت العوائق أدركت ألمها ولذتها . والظاهر أن هذا قول باللذة والألم الروحانيين ونحن لا ننكر حصولهما يومئذٍ لكن نقول : إن الجزاء لا ينحصر بهما بل يكون أيضاً بلذة وألم جسمانيين . فالاقتصار في تفسير الآية على ذلك قصور .
ومن باب الإشارة : { اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ } من التجلي { بِمَا كَسَبَتْ } في بذل الوجود للمعبود { لاَ ظُلْمَ اليوم } [ غافر : 17 ] فتنال كل نفس من التجلي بقدر بذلها من الوجود لا أقل من ذلك
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.