وقوله { وينصرك الله نصرا عزيزا } ظاهر ، لأن بالفتح ظهر النصر واشتهر الأمر ، وفيه مسألتان إحداهما لفظية والأخرى معنوية :
أما المسألة اللفظية : فهي أن الله وصف النصر بكونه عزيزا ، والعزيز من له النصر والجواب : من وجهين ( أحدهما ) ما قاله الزمخشري أنه يحتمل وجوها ثلاثة ( الأول ) معناه نصر إذ عز ، كقوله { في عيشة راضية } أي ذات رضى ( الثاني ) وصف النصر بما يوصف به المنصور إسنادا مجازيا يقال له كلام صادق ، كما يقال له متكلم صادق ( الثالث ) المراد نصرا عزيزا صاحبه ( الوجه الثاني ) من الجواب أن نقول : إنما يلزمنا ما ذكره الزمخشري من التقديرات إذا قلنا : العزة من الغلبة ، والعزيز الغالب وأما إذا قلنا : العزيز هو النفيس القليل النظير ، أو المحتاج إليه القليل الوجود ، يقال عز الشيء إذا قل وجوده مع أنه محتاج إليه ، فالنصر كان محتاجا إليه ومثله لم يوجد وهو أخذ بيت الله من الكفار المتمكنين فيه من غير عدد .
أما المسألة المعنوية : وهي أن الله تعالى لما قال : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } أبرز الفاعل وهو الله ، ثم عطف عليه بقوله { ويتم } وبقوله { ويهديك } ولم يذكر لفظ الله على الوجه الحسن في الكلام ، وهو أن الأفعال الكثيرة إذا صدرت من فاعل يظهر اسمه في الفعل الأول ، ولا يظهر فيما بعده تقول : جاء زيد وتكلم ، وقام وراح ، ولا تقول : جاء زيد ، وقعد زيد اختصارا للكلام بالاقتصار على الأول ، وهاهنا لم يقل وينصرك نصرا ، بل أعاد لفظ الله ، فنقول هذا إرشاد إلى طريق النصر ، ولهذا قلما ذكر الله النصر من غير إضافة ، فقال تعالى : { بنصر الله ينصر } ولم يقل بالنصر ينصر ، وقال : { هو الذي أيدك بنصره } ولم يقل بالنصر ، وقال : { إذا جاء نصر الله والفتح } وقال : { نصر من الله وفتح قريب } ولم يقل نصر وفتح ، وقال : { وما النصر إلا من عند الله } وهذا أدل الآيات على مطلوبنا ، وتحقيقه هو أن النصر بالصبر ، والصبر بالله ، قال تعالى : { واصبر وما صبرك إلا بالله } وذلك لأن الصبر سكون القلب واطمئنانه ، وذلك بذكر الله ، كما قال تعالى : { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } فلما قال هاهنا وينصرك الله ، أظهر لفظ الله ذكرا للتعليم أن بذكر الله يحصل اطمئنان القلوب ، وبه يحصل الصبر ، وبه يتحقق النصر ، وهاهنا مسألة أخرى وهو أن الله تعالى قال : { إنا فتحنا } ثم قال : { ليغفر لك الله } ولم يقل إنا فتحنا لنغفر لك تعظيما لأمر الفتح ، وذلك لأن المغفرة وإن كانت عظيمة لكنها عامة لقوله تعالى : { إن الله يغفر الذنوب جميعا } وقال : { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ولئن قلنا بأن المراد من المغفرة في حق النبي عليه السلام العصمة ، فذلك لم يختص بنبينا ، بل غيره من الرسل كان معصوما ، وإتمام النعمة كذلك ، قال الله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } وقال : { يا بني إسراءيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } وكذلك الهداية قال الله تعالى : { يهدي من يشاء } فعمم ، وكذلك النصر قال الله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون } وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي صلى الله عليه وسلم ، فعظمه بقوله تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا } وفيه التعظيم من وجهين ( أحدهما ) إنا ( وثانيهما ) لك أي لأجلك على وجه المنة .
{ وَيَنصُرَكَ الله } اظهار الاسم الجليل مع النصر قيل : لكونه خاتمة العلل أو الغايات ولإظهار كمال العناية بشأنه كما يعرب عنه أردافه بقوله تعالى : { نَصْراً عَزِيزاً } وقال الصدر : أظهر الاسم في الصدر وهنا لأن المغفرة تتعلق بالآخرة والنصر يتعلق بالدنيا فكأنه أشير بإسناد المغفرة والنصر إلى صريح اسمه تعالى إلى أن الله عز وجل هو الذي يتولى أمرك في الدنيا والآخرة ، وقال الإمام : أظهرت الجلالة هنا إشارة إلى أن النصر لا يكون إلا من عند الله تعالى كما قال تعالى : { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } [ آل عمران : 126 ] وذلك لأن النصر بالصبر والصبر بالله قال تعالى : { وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله } [ النحل : 127 ] لأنه سكون القلب واطمئنانه وذلك بذكر الله { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد : 28 ] والعزيز بحسب الظاهر هو المنصور ، وحيث وصف به النصر فهو إما للنسبة وإن كان المعروف فيها فاعلاً كلا بن وفعالا كبزاز أي نصراً فيه عز ومنعة ، أو فيه نجوز في الإسناد من باب وصف المصدر بصيغة المفعول وهو المنصور هنا نحو { عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ البقرة : 104 ] في قول لا الفاعل وهو الناصر لما قيل من عدم مناسبته للمقام وقلة فائدته إذ الكلام في شأن المخاطب المنصور ، لا المتكلم الناصر وفيه شيء ، وقيل : الكلام بتقدير مضاف أي عزيز صاحبه وهو المنصور وفيه تكلف الحذف والإيصال .
وقد يقال : يحتاج إلى شيء مما ذكر إذ لا مانع من وصف النصر بالعزيز على ما هو الظاهر بناء على أحد معاني الغزة وهو قلة الوجود وصعوبة المنال ، والمعنى ينصرك الله نصراً يقل وجود مثله ويصعب مناله ، وقد قال الراغب بهذا في قوله تعالى : { وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ } [ فصلت : 41 ] ورأيت ذلك للصدر بعد أن كتبته من الصدر فتأمل ولا تكن ذا عجز .
ومن باب الاشارة : { وَيَنصُرَكَ الله } على النفوس الأمارة ممن تدعوهم إلى الحق { نَصْراً عَزِيزاً } [ الفتح : 3 ] قلما يشبهه نصر ، ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء عليهم السلام تبعاً ، وكان علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل إلى غير ذلك مما حصل لأمته بواسطة تربيته على الصلاة والسلام لهم وإفاضة الأنوار والأسرار على نفوسهم وأزواجهم ، والمراد ليجمع لك هذه الأمور فلا تغفل
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.