قوله تعالى : { ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا * ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما } .
واعلم أنه قدم المنافقين على المشركين في الذكر في كثير من المواضع لأمور ( أحدها ) أنهم كانوا أشد على المؤمنين من الكافر المجاهر لأن المؤمن كان يتوقى المشرك المجاهر وكان يخالط المنافق لظنه بإيمانه ، وهو كان يفشي أسراره ، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » والمنافق على صورة الشيطان فإنه لا يأتي الإنسان على أني عدوك ، وإنما يأتيه على أني صديقك ، والمجاهر على خلاف الشيطان من وجه ، ولأن المنافق كان يظن أن يتخلص للمخادعة ، والكافر لا يقطع بأن المؤمن إن غلب يفديه ، فأول ما أخبر الله أخبر عن المنافق وقول { الظانين بالله ظن السوء } هذا الظن يحتمل وجوها ( أحدها ) هو الظن الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول } ( ثانيها ) ظن المشركين بالله في الإشراك كما قال تعالى : { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم } إلى أن قال : { إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا } ( ثالثها ) ظنهم أن الله لا يرى ولا يعلم كما قال : { ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون } والأول أصح أو نقول المراد جميع ظنونهم حتى يدخل فيه ظنهم الذي ظنوا أن الله لا يحيي الموتى ، وأن العالم خلقه باطل ، كما قال تعالى : { ذلك ظن الذين كفروا } ويؤيد هذا الوجه الألف واللام الذي في السوء وسنذكره في قوله { ظن السوء } وفيه وجوه ( أحدها ) ما اختاره المحققون من الأدباء ، وهو أن السوء صار عبارة عن الفساد ، والصدق عبارة عن الصلاح يقال مررت برجل سوء أي فاسد ، وسئلت عن رجل صدق أي صالح ، فإذا كان مجموع قولنا رجل سوء يؤدي معنى قولنا فاسد ، فالسوء وحده يكون بمعنى الفساد ، وهذا ما اتفق عليه الخليل والزجاج واختاره الزمخشري ، وتحقيق هذا أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد ، يقال ساء مزاجه ، وساء خلقه ، وساء ظنه ، كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء ، بل كان ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير الاستعمال في المعاني والآخر في الأجرام قال الله تعالى : { ظهر الفساد في البر والبحر } وقال : { ساء ما كانوا يعملون } هذا ما يظهر لي من تحقيق كلامهم .
قوله تعالى : { عليهم دائرة السوء } أي دائرة الفساد وحاق بهم الفساد بحيث لا خروج لهم منه .
ثم قال تعالى : { وغضب الله عليهم } زيادة في الإفادة لأن من كان به بلاء فقد يكون مبتلى به على وجه الامتحان فيكون مصابا لكي يصير مثابا ، وقد يكون مصابا على وجه التعذيب فقوله { وغضب الله عليهم } إشارة إلى أن الذي حاق بهم على وجه التعذيب وقوله { ولعنهم } زيادة إفادة لأن المغضوب عليه قد يكون بحيث يقنع الغاضب بالعتب والشتم أو الضرب ، ولا يفضي غضبه إلى إبعاد المغضوب عليه من جنابه وطرده من بابه ، وقد يكون بحيث يفضي إلى الطرد والإبعاد ، فقال : { ولعنهم } لكون الغضب شديدا ، ثم لما بين حالهم في الدنيا بين مآلهم في العقبى قال : { وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا } وقوله { ساءت } إشارة لمكان التأنيث في جهنم يقال هذه الدار نعم المكان .
عليهم دائرة السوء : تدور عليهم وتحيط بهم . السوء : الشر .
وليعذّب المنافقين والمنافقاتِ والمشركين بالله والمشركاتِ الذين يظنون بالله أسوأ الظنون ، كأنْ لا ينصر رسولَه . وقد نصره . فعليهم تدور دوائر الشر لا يفلتون منها ، ونالهم غضبٌ من الله ، الّذي طردهم من رحمته ، { وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ } [ الفتح : 6 ] وما أسوأها من مصير !
قرأ ابن كثير وأبو عمرو : دائرة السوء بضم السين . وقرأ الباقون : بفتح السين .
وقوله تعالى : { وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } عطف على { يدخل } [ الفتح : 5 ] أي وليعذب المنافقين الخ لغيظهم من ذلك ، وهو ظاهر على جميع الأوجه السابقة في { لّيُدْخِلَ } حتى وجه البدلية فإن بدل الاشتمال تصححه اللابسة كما مر ، وازدياد الإيمان على ما ذكرنا في تفسيره مما يغيظهم بلا ريب ، وقيل : إنه على هذا الوجه يكون عطفاً على المبدل منه ، وتقديم المنافقين على المشركين لأنهم أكثر ضرراً على المسلمين فكان في تقديم تعذيبهم تعجيل المسرة .
{ الظانين بالله ظَنَّ السوء } أي ظن الأمر الفاسد المذموم وهو أنه عز وجل لا ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وقيل : المراد به ما يعم ذلك وسائر ظنونهم الفاسدة من الشرك أو غيره { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { دَائِرَةُ السوء } بالضم ، والفرق بينه وبين { السوء } بالفتح على ما في الصحاح أن المفتوح مصدر والمضموم اسم مصدر بمعنى المساءة .
وقال غير واحد : هما لغتان بمعنى كالكره والكره عند الكسائي وكلاهما في الأصل مصدر غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جري مجري الشر ، ولما كانت الدائرة هنا محمودة وأضيفت إلى المفتوح في قراءة الأكثر تعين على هذا أن يقال : إن ذاك على تأويل انها مذمومة بالنسبة إلى من دارت عليه من المنافقين والمشركين واستعمالها في المكروه أكثر وهي مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل ، وإضافتها على ما قال الطيبي من إضافة الموصوف إلى الصفة للبيان على المبالغة ، وفي الكشف الإضافة بمعنى من على نحو دائرة ذهب فتدبر .
والكلام إما اخبار عن وقوع السوء بهم أو دعاء عليهم ، وقوله تعالى : { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وأعد لهم جَهَنَّمَ } عطف على ذلك ، وكان الظاهر فلعنهم فأعد بالفاء في الموضعين لكنه عدل عنه للإشارة إلى أن كلا من الأمرين مستقل في الوعيد به من غير اعتبار للسببية فيه { وَسَاءتْ مَصِيراً } جهنم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.