مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (11)

ثم بين حال المسلمين في أن وصلة الكافرين لا تضرهم كحال امرأة فرعون ومنزلتها عند الله تعالى مع كونها زوجة ظالم من أعداء الله تعالى ، ومريم ابنة عمران وما أوتيت من كرامة الدنيا والآخرة ، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كفارا ، وفي ضمن هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين ، وهما حفصة وعائشة لما فرط منهما وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده لما في التمثيل من ذكر الكفر ، وضرب مثلا آخر في امرأة فرعون آسية بنت مزاحم ، وقيل : هي عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت قصة إلقاء موسى عصاه ، وتلقف العصا ، فعذبها فرعون عذابا شديدا بسبب الإيمان ، وعن أبي هريرة أنه وتدها بأربعة أوتاد ، واستقبل بها الشمس ، وألقى عليها صخرة عظيمة ، فقالت : رب نجني من فرعون فرقى بروحها إلى الجنة ، فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ، قال الحسن . رفعها إلى الجنة تأكل فيها وتشرب ، وقيل : لما قالت : { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } رأت بيتها في الجنة يبنى لأجلها ، وهو من درة واحدة ، والله أعلم كيف هو وما هو ؟ وفي الآية مباحث :

البحث الأول : ما فائدة قوله تعالى من عبادنا ؟ نقول : هو على وجهين ( أحدهما ) : تعظيما لهم كما مر ( الثاني ) : إظهارا للعبد بأنه لا يترجح على الآخر عنده إلا بالصلاح .

البحث الثاني : ما كانت خيانتهما ؟ نقول : نفاقهما وإخفاؤهما الكفر ، وتظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه إنه لمجنون وامرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف إبراهيم ، ولا يجوز أن تكون خيانتهما بالفجور ، وعن ابن عباس ما بغت امرأة نبي قط ، وقيل : خيانتهما في الدين .

البحث الثالث : ما معنى الجمع بين عندك وفي الجنة ؟ نقول : طلبت القرب من رحمة الله ثم بينت مكان القرب بقولها : في الجنة أو أرادت ارتفاع درجتها في جنة المأوى التي هي أقرب إلى العرش .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (11)

وهناك حالة أخرى عكسَ ما تقدم ، وهي امرأةُ فرعون آسيةُ بنت مزاحم ، كانت زوجةً لرجل من شرار الناس ، وهي مؤمنة مخلصة في إيمانها : { إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين } . وهذا كله يتفق مع قاعدة الإسلام { أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ النجم : 38 ] وقوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } [ البقرة : 286 ] .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (11)

{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ امرأت فِرْعَوْنَ } أي جعل حالها مثلاً لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضرهم حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله عز وجل وهي في أعلى غرف الجنة واسمها آسية بنت مزاحم ، وقوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ } ظرف لمحذوف أي وضرب الله مثلاً للذين آمنوا حال امرأة فرعون إذ قالت { رَبّ ابن لِي عِندَكَ } قيل : أي قريباً من رحمتك لتنزهه سبحانه عن المكان .

وجوز في { عِندَكَ } كونه حالاً من ضمير المتكلم وكونه حالاً من قوله تعالى : { بياتا } لتقدمه عليه وكان صفة لو تأخر ، وقوله تعالى : { في الجنة } بدل أو عطف بيان لقوله تعالى : { عِندَكَ } أو متعلق بقوله تعالى : { ابن } وقدم { عِندَكَ } لنكتة ، وهي كما في الفصوص الإشارة إلى قولهم : الجار قبل الدار ، وجوز أن يكون المراد بعندك أعلى درجات المقربين لأن ما عند الله تعالى خير ، ولأن المراد القرب من العرش ، و { عِندَكَ } بمعنى عند عرشك ومقر عزك وهو على ما قيل : على الاحتمالات في إعرابه ولا يلزم كونه ظرفاً للفعل { وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ } أي من نفس فرعون الخبيثة وسلطانه الغشوم { وَعَمَلِهِ } أي وخصوصاً من عمله وهو الكفر وعبادة غير الله تعالى والتعذيب بغير جرم إلى غير ذلك من القبائح ؛ والكلام على أسلوب { مولاه وَجِبْرِيلُ } [ البقرة : 98 ] ، وجوز أن يكون المراد { نَجّنِى } من عمل فرعون فهو من أسلوب أعجبني زيد وكرمه ، والأول أبلغ لدلالته على طلب البعد من نفسه الخبيثة كأنه بجوهره عذاب ودمار يطلب الخلاص منه ، ثم طلب النجاة من عمله ثانياً تنبيهاً على أنه الطامة العظمى ، وخص بعضهم عمله بتعذيبه ، وعن ابن عباس أنه الجماع ، وما تقدم أولى { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } من القبط التابعين له في الظلم قاله مقاتل ، وقال الكلبي : من أهل مصر : وكأنه أراد بهم القبط أيضاً ، والآية ظاهرة في أنها كانت مؤمنة مصدقة بالبعث ، وذكر بعضهم أنها عمة موسى عليه السلام آمنت حين سمعت بتلقف العصا الإفك فعذبها فرعون .

وأخرج أبو يعلى . والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها فكانت إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة عليهم السلام فقالت : { رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً في الجنة } فكشف لها عن بيتها في الجنة وهو على ما قيل : من درة ، وفي رواية عبد بن حميد عنه أنه وتد لها أربعة أوتاد وأضجعها على ظهرها وجعل على صدرها رحى واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء فقالت { رَبّ ابن لِي } إلى { الظالمين } ففرج الله تعالى عن بيتها في الجنة فرأته ، وقيل : أمر بأن تلقى عليها صخرة عظيمة فدعت الله تعالى فرقى بروحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ، وعن الحسن فنجاها الله تعالى أكرم نجاة فرفعها إلى الجنة فهي تأكل وتشرب وتتنعم فيها ، وظاهره أنها رفعت بجسدها وهو لا يصح .

وفي الآية دليل على أن الاستعاذة بالله تعالى والالتجاء إليه عز وجل ومسألة الخلاص منه تعالى عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الأنبياء ، وهو في القرآن كثير .