أما قوله : { وتوكل على الحي الذي لا يموت } فالمعنى أنه سبحانه لما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه ، فأمره بأن لا يطلب منهم أجرا البتة ، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار ، وفي جلب جميع المنافع ، وإنما قال : { على الحي الذي لا يموت } لأن من توكل على الحي الذي يموت ، فإذا مات المتوكل عليه صار المتوكل ضائعا ، أما هو سبحانه وتعالى فإنه حي لا يموت فلا يضيع المتوكل عليه البتة .
أما قوله : { وسبح بحمده } فمنهم من حمله على نفس التسبيح بالقول ، ومنهم من حمله على الصلاة ، ومنهم من حمله على التنزيه لله تعالى عما لا يليق به في توحيده وعدله وهذا هو الظاهر ثم قال : { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } وهذه كلمة يراد بها المبالغة يقال : كفى بالعلم جمالا ، وكفى بالأدب مالا . وهو بمعنى حسبك ، أي لا تحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مكافأتهم وذلك وعيد شديد ، كأنه قال إن أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة .
التوكلْ تفويضُ الأمور إلى الله وحقُّه وأصْلُهُ عِلْمُ العبدِ بأنَّ الحادثاتِ كلّها حاصِلةٌ من الله تعالى ، وأنه لا يقدر أحدٌ على الإيجاد غيرُه .
فإذا عَرَفَ هذا فهو فيما يحتاج إليه - إذا عَلِمَ أن مرادَهُ لا يرتفع إلا مِنْ قِبَلِ الله - حصل له أصل التوكل . وهذا القَدْرُ فَرْضٌ ، وهو من شرائط الإيمان ، فإن الله تعالى يقول : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة :23 ] وما زاد على هذا القَدْرِ - وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار - فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله .
فإن تقرَّرَ هذا فالناس في الاكتفاء والسكون على أقسام ، ولكلِّ درجةٍ من هذه الأقسام اسم : إمَّا من حيث الاشتقاق ، أو من حيث الاصطلاح .
فأول رتبة فيه أن يكتفي بما فيه يده ، ولا يطلب زيادة عليه ، ويستريح قلبه من طلب الزيادة . . وتسمى هذه الحالة القناعة ، وفيها يقف صاحبها حيث وقف ، ويقنع بالحاصل له فلا يستزيد ثم اكتفاءُ كلِّ أحدٍ يختلف في القلة والكثرة ، وراحة قلوب هؤلاء في التخلص من الْحِرصِ وإرادة الزيادة .
ثم بعد هذا سكونُ القلب في حالة عَدَمِ وجود الأسباب ، فيكون مجرداً عن الشيء ، ويكون في إرادته متوكلاً على الله . وهؤلاء متباينون في الرتبة ، فواحد يكتفي بوعده لأنه صَدَقَه في ضمانه ، فيسكن - عند فقد الأسباب - بقلبه ثقةً منه بوعد ربه . . ويسمى هذا توكلاً ، ويقال على هذا : إن التوكل سكون القلب بضمان الربِّ ، أو سكون الجاش في طلب المعاش ، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نَقْدِه ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد .
وألطف من هذا أن يكتفي بِعِلْمِ أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله ؛ ويعمل على طاعته ؛ ولا يراعي إنجاز ما وَعَدَهَ ؛ بَل يِكلُ أمرَه إلى الله . . وهذا هو التسليم .
وفوق هذا التفويض ، وهو أنْ يَكِلَ أمرَه إلى الله . ولا يقترح على مولاه بحالٍ ، ولا يختار ؛ ويستوي عند وجودُ الأسباب وعَدَمُها ؛ فيشتغل بأداء ما ألزمه الله ؛ ولا يفكر في حال نَفْسِه ؛ ويعلم أنه مملوكٌ لمولاه ؛ والسيِّدُ أوْلَ بِعَبْدِهِ من العبد بنفسه .
فإذا ارتقى عن هذه الحالة وَجَدَ راحةً في المَنْع ؛ واستعذب ما يستقبله من الرَّدِّ . . . وتلك هي مرتبة الرضا ؛ ويصلح له في هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه ما لا يحصل لِمَنْ دونَه من الحلاوة في وجود المقصود .
وبعد هذا الموافقة ؛ وهي ألا يجد الراحة في المَنْعِ ، بل يجد بَدَلَ هذا عند نسيم القربِ زوائد الأُنْس بنسيان كلِّ أرَبٍ ، ونيسان وجود سبب أو عدو وجود سبب ؛ فكما أنَ حلاوة الطاعة تتصاغر عند بَرْدِ الرضا - وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجاباً - فكذلك أهل الأُنْسِ بالله . بنسيانِ كلِّ فَقْدٍ ووَجْدٍ ، وبالتغافل عن أحوالهم في الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع ، والاستقلال بلطائف نقصاناً في الحال .
ثم بعد هذا استيلاءُ سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية ، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء . . وأمثال هذا ، وذلك هو عين التوحيد ، فعند ذلك لا أُنْسَ ولا هيبة ، ولا لذة ولا راحة ، ولا وحشة ولا آفة .
هذا بيان ترتيبهم فأمّا دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين - على تباين شِرْبِهم . - يختلف على على حسب اختلاف محالِّهم .
فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل في المهد ؛ لا شيء مِنْ قِبَلِه إلا أن يرضعه مَنْ هو في حضانته .
ويقال التوكل زوال الاستشراف ، وسقوط الطمع ، وفراغ القلب من تعب الانتظار .
ويقال التوكل السكون عند مجاري الأقدار على اختلافها .
ويقال إذا وثق القلب بجريان القسمة لا يضره الكسب ، ولا يقدح في توكله .
ويقال عوام المتوكلين إذا أُعْطُوا شكروا ، وإذا مُنعُوا صبروا . وخواصُّهم إذا أَعْطُوا آثروا ، وإذا مٌنِعُوا شكروا .
ويقال الحقُّ يجود على الأولياء - إذا توكلوا - بتيسير السبب من حيث يُحْتَسَبُ ولا يُحْتَسَبُ ، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب . . . وإذا لم يكن الأرَبُ فمتى يكون الطلب ؟
ويقال التوكل في الأسباب الدنيوية إلى حدَّ ، فأمَّا التوكل على الله في إصلاحه - سبحانه - أمورَ آخرِة العبد فهذا أشدُّ غموضاً ، وأكثرُ خفاءً . فالواجبُ في الأسباب الدنيوية أن يكون السكونُ عن طلبها غالباً ، والحركةُ تكون ضرورةً . فأمَّا في أمور الآخرة وما يتعلَّقُ بالطاعةِ فالواجبُ البِدارُ والجِدُّ والانكماشُ ، والخروجُ عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل .
والذي يتَّصِفُ بالتواني في العبادات ، ويتباطؤ في تلافي ما ضيَّعَه من أرضاء الخصوم والقيام بحقِّ الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكِّلٌ على الله وأنه - سبحانه - يعفو عنه فهو مُتَّهَمٌ معلولُ الحالِ ، ممكورٌ مُسْتَدْرَجٌ ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه . ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستنِدُ إلى سكونه وحركته ، ويتبرأُ بِسِرِّه من حَوْلِهِ وقوَّتِه . ثم يكون حَسَنَ الظنِّ بربِّه ، ومع حُسْنِ ظنه بربه لا ينبغي أن يخلوَ من مخافته ، اللهم إلا أن يَغْلِبَ على قلبه ما يشغله في الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب ؛ فإن ذلك - إذا حَصَلَ - فالوقتُ غالِبٌ ، وهو أحد ما قيل في معاني قولهم : الوقت سيف .
{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ } في الإغناء عن أجورهم والاستكفاء عن شرورهم ، وكأن العدول عن وتوكل على الله إلى ما في النظم الجليل ليفيد بفحواه أو بترتب الحكم فيه على وصف مناسب عدم صحة التوكل على غير المتصف بما ذكر من الحياة والبقاء ، أما عدم صحة التوكل على من لم يتصف بالحياة كالأصنام فظاهر وأما عدم صحته على من لم يتصف بالبقاء بأن كان ممن يموت فلأنه عاجز ضعيف فالمتوكل عليه أشبه شيء بضعيف عاد بقرملة ، وقيل : لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه .
وأخرج ابن أبي الدنيا في التوكل . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن عقبة بن أبي ثبيت قال : مكتوب في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام ، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت . وقرأ بعض السلف هذه الآية فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق { وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ } أي ونزهه سبحانه ملتبساً بالثناء عليه تعالى بصفات الكمال طالباً لمزيد الانعام بالشكر على سوابقه عز وجل فالباء للملابسة ، والجار والمجرور في موضع الحال ، وقدم التنزيه لأنه تخلية وهي أهم من التحلية ، وفي الحديث : " من قال سبحان الله وبحمد غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر " { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن كما يؤذن به الجمع المضاف فإنه من صيغ العموم أو قوله تعالى : { خَبِيراً } لأن الخبرة معرفة بواطن الأمور كما ذكره الراغب ومن علم البواطن علم الظواهر بالطريق الأولى فيدل على ذلك مطابقة والتزاماً .
والظاهر أن { بِذُنُوبِ } متعلق بخبيراً وهو حال أو تمييز . وباء { بِهِ } زائدة في فاعل { كفى } ، وجوز أن يكون { بِذُنُوبِ } صلة كفى ، والجملة مسوقة لتسليته صلى الله عليه وسلم ووعيد الكفار أي أنه عز وجل مطلع على ذنوب عباده بحيث لا يخفى عليه شيء منها فيجازيهم عليها ولا عليك إن آمنوا أو كفروا .
{ وسبح بحمده } : أي قل سبحان الله وبحمده .
قوله { وتوكل على الحي الذي لا يموت } يأمر تعالى رسوله أن يمضي في طريق دعوته مبلغاً عن ربه داعياً إليه متوكلاً أي مفوضاً أمره إليه إذ هو الحي الذي لا يموت وغيره يموت ، وأمره أن يستعين على دعوته وصبره عليها بالتسبيح فقال { وسبح بحمده } أي قل سبحان الله وبحمده ، وسبحانك اللهم وبحمدك وهو أمر بالذكر والصلاة وسائر العبادات فإنها العون الكبير للعبد على الثبات والصَّبْر . وقوله تعالى { وكفى به بذنوب عباده خبيراً } أي فلا تكرب لهم ولا تحزن عليهم من أجل كفرهم وتكذيبهم وشركهم فإن ربك عالم بذنوبهم محص عليهم أعمالهم وسيجزيهم بها في عاجل أمرهم أو آجله .
- وجوب التوكل على الله فإنه الحي الذي لا يموت وغيره يموت .
- وجوب التسبيح والذكر والعبادة وهذه هي زاد العبد وعدته وعونه .