مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (16)

قوله تعالى { الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : في إعراب موضع { الذين يقولون } وجوه الأول : أنه خفض صفة للذين اتقوا ، وتقدير الآية : للذين اتقوا الذين يقولون ، ويجوز أن يكون صفة للعباد ، والتقدير : والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين لهم عند ربهم جنات هم الذين يقولون كذا وكذا والثاني : أن يكون نصبا على المدح والثالث : أن يكون رفعا على التخصيص ، والتقدير : هم الذين يقول كذا وكذا .

المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا { ربنا إننا ءامنا } ثم إنهم قالوا بعد ذلك { فاغفر لنا ذنوبنا } وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم ، والثناء عليهم ، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى ، فإن قالوا : الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله { الذين يؤمنون بالغيب } وأيضا فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور ، وتاب عن جميع الذنوب ، كان إدخاله النار قبيحا من الله عندهم ، والقبيح هو الذي يلزم من فعله ، إما الجهل ، وإما الحاجة فهما محالان ، ومستلزم المحال محال ، فإدخال الله تعالى إياهم النار محال ، وما كان محال الوقوع عقلا كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبثا وقبيحا ، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } [ آل عمران : 193 ] .

فإن قيل : أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله { الصابرين والصادقين } [ آل عمران : 17 ] .

قلنا : تأويل هذه الآية ما ذكرناه ، وذلك لأنه تعالى جعل مجرد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة ، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين ، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى ، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان ، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات ، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة ، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (16)

1

ثم وصف لهؤلاء العباد ، يصور حال المتقين مع ربهم ، الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان :

( الذين يقولون : ربنا إننا آمنا ، فاغفر لنا ذنوبنا ، وقنا عذاب النار . الصابرين والصادقين . والقانتين . والمنفقين . والمستغفرين بالأسحار ) . .

وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم . فهو إعلان للإيمان ، وشفاعة به عند الله ، وطلب للغفران ، وتوق من النيران .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} (16)

{ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إننا آمناَ } يجوز أن يكون في محل الرفع على أنه خبر لمحذوف كأنه قيل : من أولئك المتقون ؟ فقيل : هم الذين الخ ، وأن يكون في موضع نصب على المدح ، وأن يكون في حيز الجر على أنه تابع { للذين اتقوا } [ آل عمران : 15 ] نعتاً أو بدلاً ، أو العباد كذلك ، واعترض كونه نعتاً للعباد بأن فيه تخصيص الإبصار ببعض العباد ، وفيه أن ذلك التخصيص لا يوهم الاختصاص لظهور الأمر بل يفيد الاهتمام بشأنهم ورفعة مكانهم ، واعترض أيضاً كونه تابعاً للمتقين بأنه بعيد جداً لا سيما إذا جعل اللام متعلقاً بخير لكثرة الفواصل بين التابع والمتبوع ، وأجيب بأنه لا بأس بهذا الفصل كما لا بأس بالفصل بين الممدوح والمدح إذ الصفة المادحة المقطوعة تابعة في المعنى ولهذا يلزم حذف الناصب أو المبتدأ ؛ لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية فالفرق بين هذه وسائر التوابع في قبح الفصل وعدمه خفي لا بد له من دليل نبيل ، وفيه أن قياس التبعية لفظاً ومعنى على التبعية معنى فقط مما لا ينبغي من جاهل ، فضلاً عن عالم فاضل ، والتزام حذف الناصب أو المبتدأ في صورة القطع للمدح أو للذم قد يقال : إنه لدفع توهم الإخبار ، والمقصود الإنشاء لا لئلا يخرج الكلام عن صورة التبعية ، وتأكيد الجملة لإظهار أن إيمانهم ناشىء من وفور الرغبة وكمال النشاط ، وفي ترتيب طلب المغفرة في قوله تعالى : { فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار } على مجرد الإيمان دليل على كفايته في استحقاق المغفرة والوقاية من النار من غير توقف على الطاعات ، والمراد من الذنوب الكبائر والصغائر .

هذا ( من باب الإشارة ) :{ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا } بأنوار أفعالك وصفاتك { فاغفر لَنَا } ذنوب وجوداتنا بذاتك { وَقِنَا عَذَابَ } [ آل عمران : 16 ] نار الحرمان ووجود البقية