مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (18)

قوله تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } .

اعلم أنه تعالى لما مدح المؤمنين وأثنى عليهم بقوله { الذين يقولون ربنا إننا ءامنا } [ آل عمران : 16 ] أردفه بأن بين أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية ، فقال : { شهد الله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن كل ما يتوقف العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم على العلم به ، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، لكن العلم بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحدا فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحدا بمجرد الدلائل السمعية القرآنية .

إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في قوله { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } قولين : أحدهما : أن الشهادة من الله تعالى ، ومن الملائكة ، ومن أولي العلم بمعنى واحد الثاني : أنه ليس كذلك ، أما القول الأول فيمكن تقريره من وجهين :

الوجه الأول : أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم ، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم ، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحدا لا إله معه ، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز ، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضا أن الله تعالى واحد لا شريك له ، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله ، وفي حق الملائكة ، وفي حق أولي العلم .

الوجه الثاني : أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان ، ثم نقول : إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك ، أما الملائكة وأولوا العلم فقد أظهروا ذلك ، وبينوه بتقرير الدلائل والبراهين ، أما الملائكة فقد بينوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام ، والرسل للعلماء ، والعلماء لعامة الخلق ، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان ، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى ، وفي حق أولي العلم ، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين ، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم : إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى ، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه ، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم ، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان ، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام .

القول الثاني : قول من يقول : شهادة الله تعالى على توحيده ، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده ، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك ، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة ، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ ، ونظيره قوله تعالى : { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } [ الأحزاب : 56 ] ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة ، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس ، مع أنه قد جمعهم في اللفظ .

فإن قيل : المدعي للوحدانية هو الله ، فكيف يكون المدعي شاهدا ؟ .

الجواب : من وجوه الأول : وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله ، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده ، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة ، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل ، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد ، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده ، ولهذا قال : { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } [ الأنعام : 19 ] .

الوجه الثاني : في الجواب أنه هو الموجود أزلا وأبدا ، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدما صرفا ، ونفيا محضا ، والعدم يشبه الغائب ، والموجود يشبه الحاضر ، فكل ما سواه فقد كان غائبا ، وبشهادة الحق صار شاهدا ، فكان الحق شاهدا عل الكل ، فلهذا قال : { شهد الله أنه لا إله إلا هو } .

الوجه الثالث : أن هذا وإن كان في صورة الشهادة ، إلا أنه في معنى الإقرار ، لأنه لما أخبر أنه لا إله سواه ، كان الكل عبيدا له ، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد ، فكان هذا الكلام جاريا مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق .

الوجه الرابع : في الجواب قرأ ابن عباس { شهد الله أنه لا إله إلا هو } بكسر { إنه } ثم قرأ { إن الدين عند الله الإسلام } [ آل عمران : 19 ] بفتح { أن } فعلى هذا يكون المعنى : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله { أنه لا إله إلا هو } اعتراضا في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه ، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء ، وبتقدير { أن } تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى .

المسألة الثانية : المراد من { أولى العلم } في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول .

أما قوله تعالى : { قائما بالقسط } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : { قائما بالقسط } منتصب ، وفيه وجوه :

الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد الله قائما بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائما بالقسط ، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك : أتانا عبد الله شجاعا ، وكقولك : لا رجل إلا عبد الله شجاعا .

الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائما بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف .

والوجه الثالث : أن يكون نصبا على المدح .

فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد لله الحميد .

قلنا : وقد جاء نكرة أيضا ، وأنشد سيبويه :

ويأوي إلى نسوة عطل *** وشعثا مراضع مثل السعالي

المسألة الثانية : قوله { قائما بالقسط } فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من { شهد الله } .

المسألة الثالثة : معنى كونه { قائما بالقسط } قائما بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة .

واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب الدين ، أما المتصل بالدين ، فانظر أولا في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع بأن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك ، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة ، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب ، أما ما يتصل بأمر الدين ، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل ، والفطانة والبلادة والهداية والغواية ، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط ، ولقد خاض صاحب «الكشاف » ههنا في التعصب للاعتزال وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد ، وكان ذلك المسكين بعيدا عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثير الخوض فيما لا يعرف ، وزعم أن الآية دلت على أن من أجاز الرؤية ، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام ، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيا لكان جسما ، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع ، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم من أين وجد ذلك ، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه ، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات ، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلا ، فقد اعترف بهذا الجبر ، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث .

ثم قال الله تعالى : { لا إله إلا هو } والفائدة في إعادته وجوه الأول : أن تقدير الآية : شهد الله أنه لا إله إلا هو ، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو ، ونظيره قول من يقول : الدليل دل على وحدانية الله تعالى ، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى الثاني : أنه تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة وأولوا العلم بذلك صار التقدير ، كأنه قال : يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إله إلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات الثالث : فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة ، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات ، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها الرابع : ذكر قوله { لا إله إلا هو } أولا : ليعلم أنه لا تحق العبادة إلا لله تعالى ، وذكرها ثانيا : ليعلم أنه القائم بالقسط لا يجور ولا يظلم .

أما قوله { العزيز الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والحكيم إشارة إلى كمال العلم ، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلا معهما لأن كونه قائما بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالما بمقادير الحاجات ، وكان قادرا على تحصيل المهمات ، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر ، لأن العلم بكونه تعالى قادرا متقدم على العلم بكونه عالما في طريق المعرفة الاستدلالية ، فلما كان مقدما في المعرفة الاستدلالية ، وكان هذا الخطاب مع المستدلين ، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (18)

18

فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال . .

( شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولوا العلم - قائما بالقسط . لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) . .

هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام . حقيقة التوحيد : توحيد الألوهية ، وتوحيد القوامة . . القوامة بالقسط . . وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . . وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة ، وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة . جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم ، وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم .

وشهادة الله - سبحانه - أنه لا إله إلا هو . . هي حسب كل من يؤمن بالله . . وقد يقال : إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله . وأن من يؤمن بالله ليس في حاجة إلى هذه الشهادة . . ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا . بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله ، ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات ! فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله - سبحانه - شهد أنه لا إله إلا هو ، فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم .

على أن الأمر - كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم - أعمق من هذا وأدق . فإن شهادة الله - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو ، مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها ؛ وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له ، الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام - لا اعتقادا وشعورا فحسب - ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب . . ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون : إنهم يؤمنون بالله ، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية ، حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره ، وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه ؛ وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره . . فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله . ولا تستقيم مع شهادة الله - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو .

وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم ، فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها ، والتلقي عن الله وحده ، والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال ، متى ثبت لهم أنها من عنده . وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله : ( والراسخون في العلم يقولون : آمنا به ، كل من عند ربنا ) . . فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة : تصديق . وطاعة . واتباع . واستسلام .

وشهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه - تعالى - قائم بالقسط . بوصفها حالة ملازمة للألوهية .

( شهد الله أنه لا إله إلا هو - والملائكة وأولوا العلم - قائما بالقسط ) . .

فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة . وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة :

( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) . . فهي قوامة بالقسط .

وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط - وهو العدل - فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون ، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر . . لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس ، وبينه في كتابه . وإلا فلا قسط ولا عدل ، ولا استقامة ولا تناسق ، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان . وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع !

وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط ، واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك - بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية ، والتأرجح بين هذا وذاك ؛ والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله ، وحكم في حياة الناس كتاب الله . وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر ، لازمه جهل البشر وقصور البشر . كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور . ظلم الفرد للجماعة . أو ظلم الجماعة للفرد . أو ظلم طبقة لطبقة . أو ظلم أمة لأمة . أو ظلم جيل لجيل . . وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء . وهو إله جميع العباد . وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .

( لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) . .

يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة ، مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة . والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط . فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها . وصفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية . فلا سلبية في التصور الإسلامي لله . وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه . وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله ، فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (18)

ثم لما مدح سبحانه أحبابه أرباب الدين وذم أعداءه الكافرين عقب ذلك ببيان الدين الحق والعروة الوثقى على أتم وجه وآكده فقال سبحانه : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } قال الكلبي : «لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة والنعت فقالا له : أنت محمد ؟ قال : نعم قالا . أنت أحمد ؟ قال : نعم قالا : إنا نسألك عن شهادة ، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : سلاني فقالا له : أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى ؟ فأنزل الله تعالى الآية وأسلما ، وقيل : نزلت في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى عليه السلام وهو الذي يشعر به ما أشرنا إليه قبل من الآثار ويميل إليه كلام محمد بن جعفر بن الزبير وقيل : نزلت في اليهود والنصارى لما تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية ، وقيل : إنهم قالوا ديننا أفضل من دينك فنزلت .

والجمهور على قراءة { شَهِدَ } بلفظ الماضي وفتح همزة { أَنَّهُ } على معنى بأنه أو على أنه ، وقرئ { أَنَّهُ } بكسر الهمزة إما بإجراء { شَهِدَ } مجرى قال ، وإما بجعل الجملة اعتراضاً وإيقاع الفعل على { إِنَّ الدّينَ } [ آل عمران : 19 ] الخ على قراءة من يفتح الهمزة كما ستراه والضمير راجع إليه تعالى ، ويحتمل أن يكون ضمير الشأن وقرئ شهداء لله بالنصب والرفع على أنه جمع شهيد كظرفاء في جمع ظريف ، أو جمع شاهد كشعراء في جمع شاعر ، والنصب إما على الحالية من المذكورين ، وإما على المدح ، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ومآله المدح أي هم شهداء ، والاسم الجليل في الوجهين مجرور باللام متعلق بما عنده ، وقرئ شهداء الله بالرفع والإضافة . وفي { شَهِدَ } مسنداً إلى الله تعالى استعارة تصريحية تبعية لأن المراد أنه سبحانه دل على وحدانيته بل وسائر كمالاته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وما نصبه من الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس وبما أوحى من آياته الناطقة بذلك كسورة الإخلاص ، وآية الكرسي وغيرهما فشبه سبحانه تلك الدلالة الواضحة بشهادة الشاهد في البيان والكشف ثم استعير لفظ المشبه به للمشبه ثم سرت الاستعارة من المصدر إلى الفعل ، وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل تبعي لما أن البيان لازم للشهادة ، وقد ذكر اللفظ الدال عن الملزوم وأريد به اللازم ، وهذا الحمل ضروري على قراءة الجمهور دون القراءة الشاذة .

{ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } عطف على الاسم الجليل ولا بد حينئذٍ من حمل الشهادة على معنى مجازي شامل لما يسند إلى هذين الجمعين بطريق عموم المجاز أي أقر الملائكة بذلك وآمن العلماء به واحتجوا عليه ، وبعضهم قدر في كل من المعطوفين لفظ { شَهِدَ } مراداً منه ما يصح نسبته إلى ما أسند إليه ، ولعل القول بعموم المجاز أولى منه ، قيل : والمراد بأولوا العلم ، الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : المهاجرون والأنصار ، / وقيل : علماء مؤمني الكتاب ، وقيل : جميع علماء المؤمنين الذين عرفوا وحدانيته تعالى بالدلائل القاطعة والحجج الباهرة ، وقدم الملائكة لأن فيهم من هو واسطة لإفادة العلم لذويه ، وقيل : لأن علمهم كله ضروري بخلاف البشر فإن علمهم ضروري واكتسابي ، ثم إن ارتفاع هذين المرفوعين على ما شذ من القراءة على الابتدائية والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه أي : والملائكة وأولوا العلم شهداء بذلك ، وقيل : بالعطف على الضمير في شهداء وصح ذلك للفصل ، واعترض بأن ذلك على قراءة النصب على الحالية يؤدي إلى تقييد حال المذكورين بشهادة الملائكة وأولوا العلم وليس فيه كثير فائدة كما لا يخفى .

وقوله تعالى : { قَائِمَاً بالقسط } بيان لكماله تعالى في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته ، و القسط العدل ، والباء للتعدية أي مقيماً بالعدل ، وفي انتصاب { قَائِمَاً } وجوه : الأول : أن يكون حالاً لازمة من فاعل { شَهِدَ } ويجوز إفراد المعطوف عليه بالحال دون المعطوف إذا قامت قرينة تعينه معنوية أو لفظية ، ومنه { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء : 72 ] وأخرت الحال عن المعطوفين للدلالة على علو مرتبتهما وقرب منزلتهما ، والمسارعة إلى إقامة شهود التوحيد اعتناءاً بشأنه ولعله السر في تقديمه على المعطوفين مع الإيذان بأصالته تعالى في الشهادة به ، والثاني : أن يكون منصوباً على المدح وهو وإن كان معروفاً في المعرفة لكنه ثابت في غيرها أيضاً ، والثالث : أن يكون وصفاً لاسم لا المبني ، واستبعد بأنهم إنما يتسعون بالفصل بين الموصوف والصفة بفاصل ليس أجنبياً من كل وجه ، والمعطوف على فاعل { شَهِدَ } أجنبي مما هو في صلة أن لفظاً ومعنى ، وبأنه متلبس بالحال فينبغي على هذا أن يرفع حملاً على محل اسم لا رفعاً للالتباس . والرابع : أن يكون مفعول العلم أي : أولوا المعرفة قائماً بالقسط ولا يخفى بعده ، الخامس : ولعله الأوجه أن يكون حالاً من الضمير والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد أو أحقه لأنها حال مؤكدة ولا يضر تخلل المعطوفين هنا بخلافه في الصفة لأن الحال المؤكدة في هذا القسم جارية مجرى جملة مفسرة نوع تفسير فناسب أن يقدم المعطوفان لأن المشهود به واحد فهو نوع من تأكيده تمم بالحال المفسرة وعلى تقدير الحالية من الفاعل والمفعولية للعلم لا يندرج في المشهود به وعلى تقدير النصب على المدح يحتمل الاندراج وعدمه ، وعلى التقديرين الأخيرين يندرج لا محالة .

وقرأ عبد الله القائم بالقسط على أنه خبر لمبتدأ محذوف وكونه بدلاً من { هُوَ } لا يخلو عن شيء ، وقرأ أبو حنيفة : { قَيِّماً * بالقسط } .

{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تكرير للمشهود به للتأكيد ، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل ، والاعتناء به يقتضي الاعتناء بأدلته ولينبني عليه قوله تعالى : { العزيز الحكيم } في علم أنه المنعوت بهما ، وقيل : لا تكرار لأن الأول شهادة الله تعالى وحده ، والثاني : شهادة الملائكة وأولى العلم ، وهو ظاهر عند من يرفع الملائكة بفعل مضمر ، ووجه الترتيب تقدم العلم بقدرته التي يفهمها ( العزيز ) على العلم بحكمته تعالى التي يؤذن بها ( الحكيم ) وجعل بعضهم ( العزيز ) ناظراً إلى قوله سبحانه : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } و { الحكيم } ناظراً إلى قوله تعالى : { قَائِمَاً بالقسط } ورفعهما على الخبرية لمبتدأ محذوف أو البدلية من { هُوَ } أو الوصفية له بناءاً على ما ذهب إليه السكاكي من جواز وصف ضمير الغائب ، وجعلهما نعتاً لفاعل { شَهِدَ } بعيد .

وقد روي في فضل الآية أخبار . أخرج الديلمي عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً " لما نزلت الحمد لله رب العالمين ، وآية الكرسي ، وشهد الله ، / وقل اللهم مالك الملك إلى بغير حساب تعلقن بالعرش وقلن : أتنزلنا على قوم يعملون بمعاصيك ؟ فقال : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه وأسكنته جنة الفردوس ونظرت له كل يوم سبعين مرة وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة " وأخرج ابن عدي والطبراني والبيهقي وضعفه والخطيب وابن النجار عن غالب القطان قال : «أتيت الكوفة فنزلت قريباً من الأعمش فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية { شَهِدَ الله } الخ فقال : وأنا أشهد بما شهد الله تعالى به واستودع الله تعالى هذه الشهادة وهي لي وديعة عند الله تعالى قالها مراراً فقلت : لقد سمع فيها شيئاً فسألته فقال : حدثني أبو وائل بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجاء بصاحبها يوم القيامة في قول الله تعالى عبدي عهد إليَّ عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد أدخلوا عبدي الجنة " وروي عن سعيد بن جبير «أنه كان حول المدينة ثلثمائة وستون صنماً فلما نزلت هذه الآية الكريمة خررن سجداً للكعبة » .

( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } أي أبان بدلائل الآفاق والأنفس أنه لا إله في الوجود سواه ، أو شهد بذاته في مقام الجمع على وحدانيته حيث لا شاهد ولا مشهود غيره ، وشهد الملائكة وأولو العلم بذلك وهي شهادة مظاهره سبحانه في مقام التفصيل ، ومن القوم من فرق بين الشهادتين بأن شهادة الملائكة من حيث اليقين وشهادة أولي العلم من حيث المشاهدة ، وأيضاً قالوا : شهادة الملائكة من رؤية الأفعال وشهادة أولي العلم من رؤية الصفات ، وقيل : شهادة الملائكة من رؤية العظمة ولذا يغلب عليهم الخوف ، وشهادة العلماء من رؤية الجمال ولذا يغلب عليهم الرجاء . وشهادة العلماء متفاوتة فشهادتهم بعض من الحالات ، وشهادة آخرين من المقامات ، وشهادة طائفة من المكاشفات ، وشهادة فرقة من المشاهدات ؛ وخواص أهل العلم يشهدون به له بنعت إدراك القدم وبروز نور التوحيد من جمال الوحدانية ، فشادتهم مستغرقة في شهادة الحق لأنهم في محل المحو { قَائِمَاً بالقسط } أي مقيماً للعدل بإعطاء كل من الظهور ما هو له بحسب الاستعداد/ في تجلى عليه على قدر دعائه { لا إله إِلاَّ هُوَ العزيز } فلا يصل أحد إلى معرفة كنهه وكنه معرفته { الحكيم } [ آل عمران : 18 ] الذي يدبر كل شيء فيعطيه من مراتب التوحيد ما يطيق .