مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} (20)

ثم قال تعالى : { بينهما برزخ لا يبغيان } إشارة إلى ما ذكرنا من منعه إياهما من الجريان على عادتهما ، والبرزخ الحاجز وهو قدرة الله تعالى في البعض وبقدرة الله في الباقي ، فإن البحرين قد يكون بينهما حاجز أرضي محسوس وقد لا يكون ، وقوله : { لا يبغيان } فيه وجهان ( أحدهما ) من البغي أي لا يظلم أحدهما على الآخر بخلاف قول الطبيعي حيث يقول : الماءآن كلاهما جزء واحد ، فقال : هما لا { يبغيان } ذلك و( ثانيهما ) : أن يقال : لا يبغيان من البغي بمعنى الطلب أي لا يطلبان شيئا ، وعلى هذا ففيه وجه آخر ، وهو أن يقال : إن يبغيان لا مفعول له معين ، بل هو بيان أنهما لا يبغيان في ذاتهما ولا يطلبان شيئا أصلا ، بخلاف ما يقول الطبيعي : أنه يطلب الحركة والسكون في موضع عن موضع .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} (20)

وبينهما برزخ من طبيعتهما من صنع الله .

وتقسيم الماء على هذا النحو في الكرة الأرضية لم يجئ مصادفة ولا جزافا . فهو مقدر تقديرا عجيبا . الماء الملح يغمر نحو ثلاثة أرباع سطح الكرة الأرضية ويتصل بعضه ببعض ؛ ويشغل اليابس الربع . وهذا القدر الواسع من الماء المالح هو اللازم بدقة لتطهير جو الأرض وحفظه دائما صالحا للحياة .

[ وعلى الرغم من الإنبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور - ومعظمها سام - فإن الهواء باق دون تلوث في الواقع - ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان . . وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء - أي المحيط - ] .

ومن هذه الكتلة الضخمة الواسعة تنبعث الأبخرة تحت حرارة الشمس ؛ وهي التي تعود فتسقط أمطارا يتكون منها الماء العذب في جميع أشكاله . وأعظمها الأنهار . والتوافق بين سعة المحيط وحرارة الشمس وبرودة طبقات الجو العليا ، والعوامل الفلكية الأخرى هو الذي ينشأ عنه المطر الذي تتكون منه كتلة الماء العذب .

وعلى هذا الماء العذب تقوم الحياة ، من نبات وحيوان وإنسان . .

وتصب جميع الأنهار - تقريبا - في البحار . وهي التي تنقل إليها أملاح الأرض ، فلا تغير طبيعة البحار ولا تبغي عليها . ومستوى سطوح الأنهار أعلى في العادة من مستوى سطح البحر ، ومن ثم لا يبغي البحر على الأنهار التي تصب فيه ، ولا يغمر مجاريها بمائه الملح ، فيحولها عن وظيفتها ويبغي على طبيعتها ! وبينهما دائما هذا البرزخ من صنع الله . فلا يبغيان .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} (20)

14

المفردات :

مرج البحرين : أرسل البحرين العذب والملح .

يلتقيان : يتجاوران وتتماس سطوحهما ، لا فصل بينهما في رأى العين .

برزخ : حاجز .

لا يبغيان : لا يبغي أحدهما على الآخر ، بالممازجة وإبطال خاصته .

التفسير :

19 ، 20 ، 21- { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ : أرسلهما .

والمعنى : أرسل الله تعالى البحرين – الملح والعذب – وجعلهما يلتقيان في أطرافهما ، كما يلتقي ماء النيل بالبحر الأبيض المتوسط عند دمياط ورشيد ، وهذا الالتقاء والتمازج في الأطراف لم يجعل أحدهما يبغي على الآخر ، فيفقده خاصته ، لأنه تعالى جعل بينهما حاجزا يمنع التمازج الكلّي بينهما .

قال تعالى : { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا } . ( الفرقان : 53 ) .

قال المفسرون :

أما التقاؤهما فيكون عند مصابِّ الأنهار في البحار ، وأمَّا البرزخ الذي بينهما فهو القدرة الإلهية التي منعت أن يبغي الماء الملح على العذب فيحوله إلى ملح ، أو أن يبغي العذب على الملح فيحوله إلى عذب ، فبقي كلاهما يؤدي وظيفته التي خُلق لها .

قال ابن كثير :

والمراد بالبحرين : الملح والحلو ، فالملح هذه البحار ، والحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس ، وجعل الله بينهما برزخا ، وهو الحاجز من الأرض ، لئلا يبغي هذا على هذا ، فيفسد كل واحد منهما الآخر .

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ .

بأيّ نعم الله تعالى المذكورة في تيسير الماء العذب من الأنهار ، وتيسير الماء الملح من البحار ، ولكل منهما منافع متعددة لكم ، بأيها تكذبان يا معشر الجن والإنس ؟ ونقول نحن : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد .