الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي  
{بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} (20)

" بينهما برزخ " أي حاجز فعلى القول الأول ما بين السماء والأرض ، قاله الضحاك . وعلى القول الثاني الأرض التي بينهما وهي الحجاز ، قاله الحسن وقتادة . وعلى غيرهما من الأقوال القدرة الإلهية على ما تقدم في " الفرقان{[14531]} " . وفي الخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن الله تعالى كلم الناحية الغربية فقال : إني جاعل فيك عبادا لي يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم ؟ فقالت : أغرقهم يا رب . قال : إني أحملهم على يدي ، وأجعل بأسك في نواحيك . ثم كلم الناحية الشرقية فقال : إني جاعل فيك عبادا يسبحوني ويكبروني ويهللوني ويمجدوني فكيف أنت لهم ؟ قالت : أسبحك معهم إذا سبحوك ، وأكبرك معهم إذا كبروك ، وأهللك معهم إذا هللوك ، وأمجدك معهم إذا مجدوك ، فأثابها الله الحلية وجعل بينهما برزخا ، وتحول أحدهما ملحا أجاجا ، وبقي الآخر على حالته عذبا فراتا " ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم أبو عبدالله قال : حدثنا صالح بن محمد ، حدثنا القاسم العمري عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة : " لا يبغيان " قال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم ، جعل بينهما وبين الناس يبسا{[14532]} . وعنه أيضا ومجاهد : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه . ابن زيد : المعنى " لا يبغيان " أن يلتقيا ، وتقدير الكلام : مرج البحرين يلتقيان ، لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا . وقيل : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ، أي بينهما مدة قدرها الله وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان ، فإذا أذن الله في انقضاء الدنيا صار البحران شيئا واحدا ، وهو كقوله وتعالى : " وإذا البحار فجرت{[14533]} " [ الانفطار : 3 ] . وقال سهل بن عبدالله : البحران طريق الخير والشر ، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة .


[14531]:راجع جـ 13 ص 58.
[14532]:في ب، ج، ز، س، ل، هـ: "اليبس".
[14533]:راجع جـ 19 ص 242.