السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني - الشربيني  
{بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ} (20)

{ بينهما برزخ } أي حاجز عظيم فعلى القول بأنهما بحر السماء وبحر الأرض فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض ؛ قاله الضحاك وعلى الأقوال الباقية : قال الحسن وقتادة : هو الأرض . وقال بعضهم هو القدرة الإلهية وهذا أولى .

{ لا يبغيان } اختلف فيه . فقال قتادة : لا يبغيان على الناس فيغرقانهم كما طغيا فأهلكا من على الأرض في أيام نوح عليه السلام ، فجعل بينهما وبين الناس اليبس ، وقال مجاهد وقتادة أيضاً : لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه . وقيل البرزخ ما بين الدنيا والآخرة أي : بينهما مدة قدّرها الله تعالى وهي مدّة الدنيا فهما لا يبغيان فإذا أذن الله تعالى في انقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً ؛ وهو كقوله تعالى : { وإذا البحار فجرت } [ الانفطار : 3 ] وقال سهل بن عبد الله : البحران طريق الخير والشرّ ، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة ، وقال الرازي : معنى الآية أنّ الله تعالى أرسل بعض البحرين إلى بعض ومن شأنهما الاختلاط ، فحجزهما ببرزخ من قدرته فهما لا يبغيان أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حدّه له خالقه لا في الظاهر ولا في الباطن فمتى حفرت على جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب وإن قربت الحفرة منه ؛ قال البقاعي : بل كلما قربت كان أحلى فخلطهما سبحانه في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك ، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء ؟ .