ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام فقال : { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } والكتاب هو التوراة ، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس ، من حيث يستبصر به في باب الدين ، وهدى من حيث يستدل به ، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب ، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم الله تعالى على من تعبد به . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما أهلك الله تعالى قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة ، غير أهل القرية التي مسخها قردة » .
أما قوله : { لعلهم يتذكرون } فالمراد لكي يتذكروا ، قال القاضي : وذلك يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره ، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر ، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه ، ونص القرآن دافع لهذا القول ، قلنا أليس أنكم حملتم قوله تعالى : { ولقد ذرأنا لجهنم } على العاقبة ، فلم لا يجوز حمله ههنا على العاقبة ، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك في الآخرة .
ويعبر السياق هنا مرحلة الخروج ببني إسرائيل من مصر ، وما حدث خلالها من أحداث ، ليعجل بعرض نصيب موسى بعد عرض نصيب فرعون :
( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ، بصائر للناس ، وهدى ورحمة ، لعلهم يتذكرون ) . .
هذا نصيب موسى . وهو نصيب عظيم . وهذه عاقبة موسى . وهي عاقبة كريمة . . كتاب من الله يبصر الناس كأنه بصائرهم التي بها يهتدون ، ( وهدى ورحمة ) . . ( لعلهم يتذكرون ) . . يتذكرون كيف تتدخل يد القدرة بين الطغاة والمستضعفين ، فتختم للطغاة بالهلاك والتدمير ، وتختم للمظلومين بالخير والتمكين .
وهكذا تنتهي قصة موسى وفرعون في هذه السورة . شاهدة بأن الأمن لا يكون إلا في جانب الله . وأن المخافة لا تكون إلا في البعد عن الله . ذلك إلى تدخل يد القدرة سافرة متحدية للطغيان والطغاة ، حين تصبح القوة فتنة يعجز عن صدها الهداة . وهي المعاني التي كانت الجماعة المسلمة الصغيرة المستضعفة في مكة في حاجة إلى الاطمئنان إليها . وكان المشركون المستكبرون في حاجة إلى تدبرها . وهي المعاني المتجددة الدائمة حيثما كانت دعوة إلى الهدى ، وحيثما كان طغيان يقف في وجه الهدى .
وهكذا يجيء القصص في القرآن مادة تربية للنفوس ، وتقرير لحقائق وسنن في الوجود ( لعلهم يتذكرون ) . .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.