مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (6)

ثم قال تعالى : { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين }

لما بين أن التكليف حسن واقع وأن عليه وعدا وإيعادا ليس لهما دافع ، بين أن طلب الله ذلك من المكلف ليس لنفع يعود إليه فإنه غني مطلقا ليس شيء غيره يتوقف كما له عليه ومثل هذا كثير في القرآن كقوله تعالى : { من عمل صالحا فلنفسه } وقوله تعالى : { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : الآية السابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من العمل الصالح وإتقانه له ، وذلك لأن من يفعل فعلا لأجل ملك ويعلم أن الملك يراه ويبصره يحسن العمل ويتقنه ، وإذا علم أن نفعه له ومقدر بقدر عمله يكثر منه ، فإذا قال الله إنه سميع عليم فالعبد يتقن عمله ويخلصه له وإذا قال بأن جهاده لنفسه يكثر منه .

المسألة الثانية : لقائل أن يقول هذا يدل على أن الجزاء على العمل لأن الله تعالى لما قال : { من جاهد فإنما يجاهد لنفسه } فهم منه أن من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح فنقول هو كذلك ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق ، وبيانه هو أن الله تعالى لما بين أن المكلف إذا جاهد يثيبه فإذا أتى به هو يكون جهادا نافعا له ولا نزاع فيه ، وإنما النزاع في أن الله يجب عليه أن يثيب على العمل لولا الوعد ، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلا بالعمل ولا دلالة للآية عليه .

المسألة الثالثة : قوله : { فإنما } يقتضي الحصر فينبغي أن يكون جهاد المرء لنفسه فحسب ولا ينتفع به غيره وليس كذلك فإن من جاهد ينتفع به ومن يريد هو نفعه ، حتى أن الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان فنقول ذلك نفع له فإن انتفاع الولد انتفاع للأب والحصر ههنا معناه أن جهاده لا يصل إلى الله منه نفع ويدل عليه قوله تعالى : { إن الله لغنى عن العالمين } وفيه مسائل :

الأولى : تدل الآية على أن رعاية الأصلح لا يجب على الله لأنه بالأصلح لا يستفيد فائدة وإلا لكان مستكملا بتلك الفائدة وهي غيره وهي من العالم فيكون مستكملا بغيره فيكون محتاجا إليه وهو غني عن العالمين ، وأيضا أفعاله غير معللة لما بينا .

المسألة الثانية : تدل الآية على أنه ليس في مكان وليس على العرش على الخصوص فإنه من العالم والله غني عنه والمستغني عن المكان لا يمكن دخوله في مكان لأن الداخل في المكان يشار إليه بأنه ههنا أو هناك على سبيل الاستقلال ، وما يشار إليه بأنه ههنا أو هناك يستحيل أن لا يوجد لا ههنا ولا هناك وإلا لجوز العقل إدراك جسم لا في مكان وإنه محال .

المسألة الثالثة : لو قال قائل ليست قادريته بقدرة ولا عالميته بعلم وإلا لكان هو في قادريته محتاجا إلى قدرة هي غيره وكل ما هو غيره فهو من العالم فيكون محتاجا وهو غني ، نقول لم قلتم إن قدرته من العالم وهذا لأن العالم كل موجود سوى الله بصفاته أي كل موجود هو خارج عن مفهوم الإله الحي القادر المريد العالم السميع البصير المتكلم والقدرة ليست خارجة عن مفهوم القادر ، والعلم ليس خارجا عن مفهوم العالم .

المسألة الرابعة : الآية فيها بشارة وفيها إنذار ، أما الإنذار فلأن الله إذا كان غنيا عن العالمين فلو أهلك عباده بعذابه فلا شيء عليه لغناه عنهم وهذا يوجب الخوف العظيم ، وأما البشارة فلأنه إذا كان غنيا ، فلو أعطى جميع ما خلقه لعبد من عباده لا شيء عليه لاستغنائه عنه ، وهذا يوجب الرجاء التام .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (6)

والإيقاع الرابع يواجه القلوب التي تحتمل تكاليف الإيمان ، ومشاق الجهاد ، بأنها إنما تجاهد لنفسها ولخيرها ولاستكمال فضائلها ، ولإصلاح أمرها وحياتها ؛ وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد ، وإنه لغنى عن كل أحد :

( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ، إن الله لغني عن العالمين ) . .

فإذا كتب الله على المؤمنين الفتنة وكلفهم أن يجاهدوا أنفسهم لتثبت على احتمال المشاق ، فإنما ذلك لإصلاحهم ، وتكميلهم ، وتحقيق الخير لهم في الدنيا والآخرة . والجهاد يصلح من نفس المجاهد وقلبه ؛ ويرفع من تصوراته وآفاقه ؛ ويستعلي به على الشح بالنفس والمال ، ويستجيش أفضل ما في كيانه من مزايا واستعدادات . وذلك كله قبل أن يتجاوز به شخصه إلى الجماعة المؤمنة ، وما يعود عليها من صلاح حالها ، واستقرار الحق بينها ، وغلبة الخير فيها على الشر ، والصلاح فيها على الفساد .

( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) .

فلا يقفن أحد في وسط الطريق ، وقد مضى في الجهاد شوطا ؛ يطلب من الله ثمن جهاده ؛ ويمن عليه وعلى دعوته ، ويستبطئ المكافأة على ما ناله ! فإن الله لا يناله من جهاده شيء . وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل : ( إن الله لغني عن العالمين ) . وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده ، وأن يستخلفه في الأرض به ، وأن يأجره في الآخرة بثوابه :