مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ} (77)

ثم إنه تعالى لما ذكر دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله : { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما } ذكر دليلا من الأنفس .

فقال : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } قيل إن المراد بالإنسان أبي بن خلف فإن الآية وردت فيه حيث أخذ عظما باليا وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنك تقول إن إلهك يحيي هذه العظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ويدخلك جهنم ، وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى أن قوله تعالى : { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها } نزلت في واحدة وأراد الكل في الحكم فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر فهذه الآية رد عليه إذا علمت عمومها فنقول فيها لطائف :

اللطيفة الأولى : قوله : { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا } [ يس : 71 ] معناه الكافرون المنكرون التاركون عبادة الله المتخذون من دونه آلهة ، أو لم يروا خلق الأنعام لهم وعلى هذا فقوله تعالى : { أولم ير الإنسان } كلام أعم من قوله : { أو لم يروا } لأنه مع جنس الإنسان وهو مع جمع منهم فنقول سبب ذلك أن دليل الأنفس أشمل وأكمل وأتم وألزم ، فإن الإنسان قد يغفل عن الإنعام وخلقها عند غيبتها ولكن ( لا يغفل ) هو مع نفسه متى ما يكون وأينما يكون . فقال : إن غاب عن الحيوان وخلقه فهو لا يعيب عن نفسه ، فما باله أولم ير أنا خلقناه من نطفة وهو أتم نعمة ، فإن سائر النعم بعد وجوده وقوله : { من نطفة } إشارة إلى وجه الدلالة ، وذلك لأن خلقه لو كان من أشياء مختلفة الصور كان يمكن أن يقال العظم خلق من جنس صلب واللحم من جنس رخو ، وكذلك الحال في كل عضو ، ولما كان خلقه عن نطفة متشابهة الأجزاء وهو مختلف الصور دل على الاختيار والقدرة إلى هذا أشار بقوله تعالى : { يسقى بماء واحد } [ الرعد : 4 ] .

وقوله : { فإذا هو خصيم مبين } فيه لطيفة غريبة وهي أنه تعالى قال اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء ما خلق منه آية ظاهرة ومع هذا فهنالك ما هو أظهر وهو نطقه وفهمه ، وذلك لأن النطفة جسم ، فهب أن جاهلا يقول إنه استحال وتكون جسما آخر ، لكن القوة الناطقة والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة ؟ فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو إلى إدراك القدرة والاختيار منه أقرب فقوله : { خصيم } أي ناطق وإنما ذكر الخصيم مكان النطق لأنه أعلى أحوال الناطق ، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره ، والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصما لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه وقوله : { مبين } إشارة إلى قوة عقله ، واختار الإبانة لأن العاقل عند الإفهام أعلى درجة منه عند عدمه ، لأن المبين بان عنده الشيء ثم أبانه فقوله تعالى : { من نطفة } إشارة إلى أدنى ما كان عليه وقوله : { خصيم مبين } إشارة إلى أعلى ما حصل عليه وهذا مثل قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة } إلى أن قال تعالى :

{ ثم أنشأناه خلقا آخر } فما تقدم من خلق النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاما إشارة إلى التغيرات في الجسم وقوله : { ثم أنشأناه خلقا آخر } إشارة إلى ما أشار إليه بقوله : { فإذا هو خصيم مبين } أي ناطق عاقل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ} (77)

والمقطع الثالث في هذا القطاع الأخير يتناول قضية البعث والنشور :

( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه . قال : من يحيي العظام وهي رميم ? قل : يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم . الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون . أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ? بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن . فيكون ) . .

ويبدأ هذا المقطع بمواجهة الإنسان بواقعه هو ذاته في خاصة نفسه . وهذا الواقع يصور نشأته وصيرورته مما يراه واقعا في حياته ، ويشهده بعينه وحسه مكرراً معاداً . ثم لا ينتبه إلى دلالته ، ولا يتخذ منه مصداقاً لوعد الله ببعثه ونشوره بعد موته ودثوره . .

( أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ) . .

فما النطفة التي لا يشك الإنسان في أنها أصله القريب ? إنها نقطة من ماء مهين ، لا قوام ولا قيمة ! نقطة من ماء تحوي ألوف الخلايا . . خلية واحدة من هذه الألوف هي التي تصير جنينا . ثم تصير هذا الإنسان الذي يجادل ربه ويخاصمه ويطلب منه البرهان والدليل !

والقدرة الخالقة هي التي تجعل من هذه النطفة ذلك الخصيم المبين . وما أبعد النقلة بين المنشأ والمصير ! أفهذه القدرة يستعظم الإنسان عليها أن تعيده وتنشره بعد البلى والدثور ?