مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ} (7)

قوله تعالى : { آمنوا بالله ورسوله } اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواعا من الدلائل على التوحيد والعلم والقدرة ، أتبعها بالتكاليف ، وبدأ بالأمر بالإيمان ورسوله ، فإن قيل قوله : { آمنوا } خطاب مع من عرف الله ، أو مع من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمرا بأن يعرفه من عرف ، فيكون ذلك أمرا بتحصيل الحاصل وهو محال ، وإن كان الثاني ، كان الخطاب متوجها على من لم يكن عارفا به ، ومن لم يكن عارفا به استحال أن يكون عارفا بأمره ، فيكون الأمر متوجها على من يستحيل أن يعرف كونه مأمورا بذلك الأمر ، وهذا تكليف مالا يطاق ( والجواب ) : من الناس من قال : معرفة وجود الصانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات .

ثم قال تعالى : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } في هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه أمر الناس أولا بأن يشتغلوا بطاعة الله ، ثم أمرهم ثانيا بترك الدنيا والإعراض عنها وإنفاقها في سبيل الله ، كما قال : { قل الله } ثم ذرهم ، فقوله : { قل الله } هو المراد هاهنا من قوله : { آمنوا بالله ورسوله } وقوله : { ثم ذرهم } هو المراد هاهنا من قوله : { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } .

المسألة الثانية : في الآية وجهان ( الأول ) : أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله بخلقه وإنشائه لها ، ثم إنه تعالى جعلها تحت يد المكلف ، وتحت تصرفه لينتفع بها على وفق إذن الشرع ، فالمكلف في تصرفه في هذه الأموال بمنزلة الوكيل والنائب والخليفة ، فوجب أن يسهل عليكم الإنفاق من تلك الأموال ، كما يسهل على الرجل النفقة من مال غيره إذا أذن له فيه ( الثاني ) : أنه جعلكم مستخلفين ممن كان قبلكم ، لأجل أنه نقل أموالهم إليكم على سبيل الإرث ، فاعتبروا بحالهم ، فإنها كما انتقلت منهم إليكم فستنقل منكم إلى غيركم فلا تبخلوا بها .

المسألة الثالثة : اختلفوا في هذا الإنفاق ، فقال بعضهم : هو الزكاة الواجبة ، وقال آخرون : بل يدخل فيه التطوع ، ولا يمتنع أن يكون عاما في جميع وجوه البر ، ثم إنه تعالى ضمن لمن فعل ذلك أجرا كبيرا فقال : { فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير } قال القاضي : هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالإيمان المنفرد حتى ينضاف هذا الإنفاق إليه ، فمن هذا الوجه يدل على أن من أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له .

واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف ، وذلك لأن الآية تدل على أن من أخل بالزكاة الواجبة لم يحصل له ذلك الأجر الكبير ، فلم قلتم : إنها تدل على أنه لا أجر له أصلا .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ} (7)

هذا المطلع بإيقاعاته تلك ، يدع القلوب في حساسية مرهفة للتلقي . ومن ثم يجيء الهتاف لها بالإيمان والبذل في أنسب أوان . وقد تفتحت مداخلها ، وتوفزت مشاعرها ، واستعدت للاستماع . وهنا يجيء ذلك الهتاف في المقطع التالي في السياق . ولكنه لا يجيء مجردا . إنما يجيء ومعه مؤثراته وإيقاعاته ولمساته :

( آمنوا بالله ورسوله ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ، فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير . وما لكم لا تؤمنون بالله ، والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ، وقد أخذ ميثاقكم ? إن كنتم مؤمنين . هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ، وإن الله بكم لرؤوف رحيم . وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السماوات والأرض ? لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ، والله بما تعملون خبير ) . .

إن الله - سبحانه - يخاطب القلوب التي خلقها ، فهو يعلم أحوالها ، ويعرف مداخلها ، ويطلع على خوافيها . . وهو يعلم أن نقاء العقيدة ، وخلوص القلب ، واستقرار حقيقة الإيمان استقرارا تنبثق منه آثاره ونتائجه في واقع الحياة ، من بذل وتضحية وتقدمة خالصة لله . أن هذا أمر يكلف الطاقة البشرية كثيرا ؛ ويحتاج منها إلى جهد ومجاهدة طويلة . ومن ثم يحشد لها هذه الإيقاعات وهذه المؤثرات ؛ ويكشف لها عن الحقائق الكونية لتراها وتتأثر بها ، وتزن كل شيء بميزانها الكبير الدقيق . ويعالجها المرة بعد المرة ، والخطوة بعد الخطوة ؛

ولا يكلها إلى هتاف واحد ، أو بيان واحد ، أو مؤثر واحد يوقع على أوتارها ثم يغيب . . ومنهج القرآن الإلهي في علاج القلوب جدير بأن يقف الدعاة إلى الله أمامه طويلا ؛ ليتدبروه ويحاولوا أن يقلدوه !

إن الإيقاعات الأولى في مطلع السورة من القوة والتوالي والعمق والتأثير ، بحيث تزلزل القلوب الجامدة ، وتلين القلوب القاسية ، وتدعها مرهفة الحساسية . ولكن القرآن لا يكل قلوب المخاطبين إلى هذه اللمسات الأولى ، وهو يدعوهم إلى الإيمان والبذل في الفقرة التالية :

( آمنوا بالله ورسوله ، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) . .

والمخاطبون هنا هم مسلمون ، ولكنهم يدعون إلى الإيمان بالله ورسوله . فهي إذن حقيقة الإيمان يدعون لتحقيقها في قلوبهم بمعناها . وهي لفتة دقيقة . وهم يدعون إلى الإنفاق ، ومع الدعوة لمسة موحية . فهم لا ينفقون من عند أنفسهم . إنما ينفقون مما استخلفهم الله فيه من ملكه . وهو الذي ( له ملك السماوات والأرض ) . . فهو الذي استخلف بني آدم جملة في شيء من ملكه . وهو الذي ( يحيي ويميت ) . . فهو الذي استخلف جيلا منهم بعد جيل .

وهكذا ترتبط هذه الإشارة بما سبق من الحقائق الكلية في مطلع السورة . ثم تقوم هي بدورها في استثارة الخجل والحياء من الله ، وهو المالك الذي استخلفهم وأعطاهم ، فماذا هم قائلون حين يدعوهم إلى إنفاق شيء مما استخلفهم فيه ومما أعطاهم ? ! وفي نهنهة النفوس عن الشح ، والله هو المعطي ولا نفاد لما عنده ، فماذا يمسكهم عن البذل والعطاء ، وما في أيديهم رهن بعطاء الله ? !

ولكنه لا يكلهم إلى هذا التذكير وما يثيره من خجل وحياء ، ومن سماحة ورجاء . إنما يخاطبهم بمؤثر جديد . يخجلهم من كرم الله ويطمعهم في فضله :

( فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) . .

فكيف يتخلف متخلف عن الإيمان والبذل في مواجهة هذا الكرم والفضل ?