اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ} (7)

قوله تعالى : { آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } .

أي : صدقوا أن الله واحد ، وأن محمداً عبده ورسوله .

«وأنفِقُوا » : تصدقوا وقيل : أنفقوا في سبيل الله .

وقيل : المراد : الزكاة المفروضة .

وقيل : غيرها من وجوه الطاعات ، وما يتقرب به .

وقوله تعالى : { مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } دليل على أن أصل الملك لله سبحانه وتعالى ، وأن العبد ليس له فيه إلاَّ التصرف الذي يرضي الله تعالى ، فيثيبه على ذلك بالجنة ، فمن أنفق منها في حقوق الله ، وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره ، إذا أذن له فيه ، كان له الثواب الجزيل{[55216]} .

وقال الحسن : «مُستخْلفِين فيه » بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم ، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة ، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النُّواب والوكلاء ، فاغتنموا الفوز ، فإنها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم .

{ فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم ، وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير } وهو الجنة .

فصل في الكلام على الآية

قال القاضي : هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالمال وحده حتى يضاف إليه هذا الإنفاق ، فمن أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له{[55217]} .

قال ابن الخطيب{[55218]} : وهذا استدلال ضعيف ؛ لأنه لا يلزم من نفي الأجر الكبير نفي أصل الأجر ، فلم قلتم : إنها [ تدل على أنه ]{[55219]} لا أجر له أصلاً ؟ .

فإن قيل{[55220]} : قوله «آمنوا بالله » خطاب مع من عرف الله أو مع من لم يعرف الله ، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرف من عرفه ، وذلك أمر بتحصيل الحاصل ، وهو محال .

وإن كان الثاني كذلك كان ذلك الخطاب متوجِّهاً على من لم يكن عارفاً به ، ومن لم يكن عارفاً يستحيل أن يكون عارفاً بأمره ، فيكون الأمر متوجِّهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر ، وهو تكليف ما لا يُطاق .

قال ابن الخطيب{[55221]} : والجواب من النَّاس من قال : معرفة وجود الصَّانع حاصلة للكل ، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات .


[55216]:السابق.
[55217]:التفسير الكبير 29/189.
[55218]:السابق.
[55219]:سقط من أ.
[55220]:ينظر: الفخر الرازي 29/188.
[55221]:السابق.