مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ} (2)

قوله تعالى :{ ذكر رحمة ربك عبده زكريا } فيه مسائل :

المسألة الأولى : في لفظة ذكر أربع قراءات صيغة المصدر أو الماضي مخففة أو مشددة أو الأمر ، أما صيغة المصدر فلا بد فيها من كسر رحمة ربك على الإضافة ثم فيها ثلاثة أوجه : أحدها : نصب الدال من عبده والهمزة من زكرياء وهو المشهور . وثانيها : برفعهما والمعنى وتلك الرحمة هي عبده زكرياء عن ابن عامر . وثالثها : بنصب الأول وبرفع الثاني والمعنى رحمة ربك عبده وهو زكرياء . وأما صيغة الماضي بالتشديد فلا بد فيها من نصب رحمة . وأما صيغة الماضي بالتخفيف ففيها وجهان . أحدهما : رفع الباء من ربك والمعنى ذكر ربك عبده زكرياء . وثانيها : نصب الباء من ربك والرفع في عبده زكرياء وذلك بتقديم المفعول على الفاعل وهاتان القراءتان للكلبي ، وأما صيغة الأمر فلا بد من نصب رحمة وهي قراءة ابن عباس . واعلم أن على تقدير جعله صيغة المصدر والماضي يكون التقدير هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك .

المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من قوله رحمة ربك أعني عبده زكرياء ثم في كونه رحمة وجهان : أحدهما : أن يكون رحمة على أمته لأنه هداهم إلى الإيمان والطاعات . والآخر : أن يكون رحمة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمة محمد لأن الله تعالى لما شرح لمحمد صلى الله عليه وسلم طريقه في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى صار ذلك لفظا داعيا له ولأمته إلى تلك الطريقة فكان زكرياء رحمة ، ويحتمل أن يكون المراد أن هذه السورة فيها ذكر الرحمة التي رحم بها عبده زكرياء .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ} (2)

أي : هذا { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ْ } سنقصه عليك ، ونفصله تفصيلا يعرف به حالة نبيه زكريا ، وآثاره الصالحة ، ومناقبه الجميلة ، فإن في قصتها عبرة للمعتبرين ، وأسوة للمقتدين ، ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه ، وبأي : سبب حصلت لهم ، مما يدعو إلى محبة الله تعالى ، والإكثار من ذكره ومعرفته ، والسبب الموصل إليه . وذلك أن الله تعالى اجتبى واصطفى زكريا عليه السلام لرسالته ، وخصه بوحيه ، فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين ، ودعا العباد إلى ربه ، وعلمهم ما علمه الله ، ونصح لهم في حياته وبعد مماته ، كإخوانه من المرسلين ومن اتبعهم ، فلما رأى من نفسه الضعف ، وخاف أن يموت ، ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم .